كوشنر وإيفانكا ينشران الرواية الفلسطينية… والعرب ينصبون مشانق الصمت
نشر بتاريخ: 2026/01/18 (آخر تحديث: 2026/01/18 الساعة: 16:40)

 

ليس الحدث في أن جاريد كوشنر وإيفانكا ترامب أعادا نشر مقال للناشط الفلسطيني سامر السنجلاوي يتناول حكومة غزة التكنوقراطية؛ فالحدث الحقيقي يكمن في تلك المفارقة المُرّة التي لا يمكن تجاهلها: أن يأتي هذا الاهتمام من خارج العالم العربي، فيما يخيم الصمت الثقيل على معظم الفضاء العربي، صمت يبدو أحيانًا أشد وقعًا وأكثر قسوة من أي هجوم مباشر.

حين أعاد كوشنر نشر مقال السنجلاوي على منصة «إكس»، مرفقًا بتعليق يحث على الحلم وتحويل المستحيل إلى واقع، وتبعته إيفانكا بإعادة نشره على حسابيها في «إكس» و«إنستغرام»، لم يكن ذلك تفاعلًا عابرًا أو مجاملة رقمية، بل كان إسهامًا مباشرًا في إيصال الرواية الفلسطينية إلى فضاء عالمي نادر الاهتمام بالتفاصيل الداخلية لغزة. رسالة واضحة مفادها: هناك من يراقب، من يقرأ، ومن يلتقط التحولات السياسية والفكرية داخل القطاع، حتى وإن جاء هذا الاهتمام من خارج الدائرة العربية.

المفارقة المؤلمة أن هذا الالتفات لم يصدر عن مثقفين عرب، ولا عن وسائل الإعلام العربية الكبرى، ولا عن نخب سياسية طالما ادّعت احتكار الدفاع عن القضية الفلسطينية. مقال يناقش مستقبل الحكم في غزة، ويطرح إمكانية الانتقال من إدارة الفصائل إلى إدارة قائمة على الكفاءة والمساءلة، يمرّ عربيًا مرور الكرام، كأن الحديث عن إصلاح داخلي فلسطيني بات تهمة لا نقاشًا.

مقال السنجلاوي لا يحمل خطابًا شعاراتيًا، ولا يروّج لدعاية فصائلية، بل يمثل محاولة عقلانية جريئة لفتح نقاش فلسطيني داخلي حول حكومة تكنوقراطية تُقاس بالأداء لا بالخطاب، وبالخدمات لا بالشعارات، وبإعادة الإعمار لا بسيل التصريحات. طرح يعكس إرهاق الناس، وتعب الشارع، ورغبة الفلسطينيين في حياة طبيعية، آمنة، وكريمة، بعيدًا عن صراعات السلطة ومتاهات الولاءات.

لكن السؤال الأكثر إيلامًا يظل معلقًا: لماذا يخيف هذا النقاش بعض العرب؟ هل لأن فكرة الحكم بالكفاءة تفضح عجز أنظمة اعتادت المتاجرة بالقضية بدل خدمتها؟ أم لأن غزة، حين تفكر خارج القوالب التقليدية، تخرج من كونها مادة للخطاب العاطفي إلى كونها نموذجًا قابلًا للمساءلة والمحاسبة؟

إن أخطر ما في الصمت العربي ليس تجاهل مقال أو فكرة، بل تجاهل لحظة تاريخية مفصلية؛ لحظة قد تعيد تعريف معنى المسؤولية، ومعنى الحكم، ومعنى التضامن الحقيقي. فالتضامن لا يُقاس بالبيانات الرنانة ولا بالشعارات المستهلكة، بل بالدعم الفعلي لأي مسار يخفف من أوجاع الفلسطينيين، حتى وإن كان هذا المسار يهدد أيديولوجيات قديمة ونماذج فاشلة.

وحين ينشر كوشنر وإيفانكا الرواية الفلسطينية، بينما يكتفي العرب بنصب مشانق الصمت، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: من يتحرك على الأرض، ومن يكتفي بدور المتفرج؟ من يلتقط الفرصة لبناء مستقبل مختلف، ومن يختبئ خلف أوهام وشعارات فقدت صلاحيتها؟

غزة اليوم لم تعد مجرد صرخة تبحث عمن يسمعها، بل تجربة تبحث عمن يشارك في إعادة كتابتها. أما من يكتفي بالصمت، فلا يخذل غزة وحدها، بل يخذل الرواية الفلسطينية ذاتها… ويترك حلم مليوني فلسطيني معلقًا على مشانق الصمت.