صراع الإنسان مع الروبوتات: حين يخطئ الإنسان ويُحاسَب… فمن يُحاكم الروبوت؟
نشر بتاريخ: 2026/01/25 (آخر تحديث: 2026/01/25 الساعة: 21:02)

في سباقٍ محموم لا يهدأ، يتنافس العالم تكنولوجيًا، وتشتعل معركة غير معلنة بين كبرى الشركات والدول لامتلاك النموذج الأذكى والأسرع في صناعة الروبوتات. لم يعد الأمر رفاهية علمية أو ترفًا تقنيًا، بل تحوّل إلى عنوانٍ للهيمنة، ومعيارٍ للتفوّق، وورقة ضغط في موازين القوة الحديثة.

لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بإلحاح:

هل الروبوتات جاءت لتُعين الإنسان… أم لتحلّ محلّه؟

الإنسان، بطبيعته، كائن يخطئ ويصيب، يتعب ويتردّد، تحكمه المشاعر والظروف والضعف البشري. وإذا أخطأ، يُحاسَب أخلاقيًا وقانونيًا، لأن الخطأ جزء من إنسانيته ومن مسار تعلّمه وتطوّره.

أما الروبوت، فيُقدَّم لنا بوصفه آلة لا تخطئ، لا تملّ، لا تنام، ولا تطالب بحقوق أو أجور.

وهنا يتفجّر السؤال الأخطر: إذا أخطأ الروبوت… فمن يُحاسبه؟ ومن يتحمّل مسؤوليته القانونية والأخلاقية؟

لقد بدأت ملامح هذا الصراع تظهر بوضوح في ميادين العمل: مصانع تُدار آليًا، مكاتب بلا موظفين، وخدمات تُقدَّم عبر خوارزميات تحلّ محلّ العقول البشرية. ومع كل وظيفة يفقدها إنسان، يولد سؤال أخلاقي جديد: أين يقف الإنسان في هذا العالم المتحوّل؟

المعضلة لا تكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل فيمن يمتلكها وكيف تُستخدم. فالتقدّم العلمي، حين يُنزَع عنه البُعد الإنساني، يتحوّل من أداة بناء إلى وسيلة إقصاء. وهنا يتجلّى الصراع الحقيقي:

ليس بين الإنسان والروبوت،

بل بين الإنسان والإنسان؛

بين من يمتلك المعرفة والتقنية، ومن يُترك خارج العصر، مهددًا بالتهميش وربما بالفناء الاجتماعي والاقتصادي.

ثم يبرز سؤال أكثر خطورة:

هل التقدّم التكنولوجي اليوم أخلاقي فعلًا؟

أم أنه خطرٌ زاحف يُعاد تغليفه باسم التطوّر؟

فالروبوت لا يرحم لأنه لا يشعر، ولا يُبدع لأنه لا يتألّم، ولا يتفكّر لأنه لا يملك وعيًا أو ضميرًا.

أما الإنسان، فخطؤه جزء من إنسانيته، ومن قدرته على التعلّم، والتجديد، والإبداع.

وحين نُسلّم التفكير للآلة، نُخاطر بتحويل الإنسان إلى كائن كسول، خامل، يعتمد على الروبوت في التحليل واتخاذ القرار، فيضعف العصف الذهني، ويتراجع الإبداع، ويبهت العقل والفكر.

السؤال إذن ليس: أيهما أفضل… الإنسان أم الروبوت؟

بل: هل نُسخّر التكنولوجيا لخدمة الإنسان، أم نسمح لها بأن تعيد تشكيله، وتُفرغه من دوره، وتختطف عقله؟

ومن هنا تبرز الحاجة المُلحّة إلى إطار قانوني وأخلاقي عالمي ينظّم هذا المجال المتسارع؛ قوانين إلكترونية واضحة تُلزم بتسجيل الروبوتات وربطها بمالكيها أو الجهات المشغِّلة لها، بحيث يتحمّل الإنسان المسؤولية الكاملة عن أي خطأ أو ضرر ناتج عنها، وتُمنع الآلة من التحوّل إلى كيان بلا مساءلة.

في النهاية، لسنا أمام صراع بين بشرٍ وآلات، بل أمام اختبارٍ أخلاقي وحضاري عميق:

إمّا أن نضع التكنولوجيا تحت سلطة الإنسان وقيمه وقوانينه،

أو نترك الإنسان ضحية لتكنولوجيا بلا روح، وبلا ضمير، وبلا محاسبة.

ومن لا يمتلك هذه التقنية اليوم، قد لا يخسر سباق التقدّم فقط،

بل قد يخسر مكانه… ومعناه… ودوره

في عالمٍ بات يُقدّس الآلة أكثر مما يحمي الإنسان.