النظام الانتخابي للمجلس الوطني الفلسطيني 2026 يقود الي كارثة دستورية ....!!؟!!
نشر بتاريخ: 2026/06/07 (آخر تحديث: 2026/06/08 الساعة: 01:29)

في الدول الطبيعية تكتب القوانين الانتخابية لكي تحسم النزاعات قبل وقوعها أما في الحالة الفلسطينية فيبدو أن بعض القوانين تكتب بعناية فائقة لكي تؤجل النزاعات إلى ما بعد إعلان النتائج....

في الدول الطبيعية يقرأ المواطن القانون فيعرف من ينتخب ومن يراقب ومن يحاسب ومن يملك الشرعية ومن يملك القرار الأخير

أما عندنا فيقرأ المواطن القانون فيخرج بأسئلة أكثر مما دخل بها

وكأن النص لم يكتب لتوضيح الطريق بل لإبقاء الضباب فوقه أطول فترة ممكنة

ومن هنا فإن المشكلة في النظام الانتخابي الجديد للمجلس الوطني ليست في عدد المقاعد ولا في شكل القوائم ولا في أسماء الدوائر

المشكلة....

أن القانون الذي يفترض أنه يؤسس للشرعية الجديدة يبدو عاجزاً حتى الآن عن تعريف الشرعية نفسها....!!؟؟!!

فالأنظمة الانتخابية لا تقاس بعدد المواد القانونية بل بقدرتها على الإجابة عن الأسئلة الكبرى

من يمثل الشعب

ومن يملك حق تمثيله

ومن يملك حق سحب هذا التمثيل

ومن يملك الكلمة الأخيرة عندما تتصادم المؤسسات والشرعيات

والحقيقة ...

أن النظام الجديد نجح في توزيع المقاعد أكثر مما نجح في توزيع الاختصاصات

ونجح في رسم الدوائر أكثر مما نجح في رسم حدود السلطة

ونجح في الحديث عن الانتخابات أكثر مما نجح في تعريف معنى الانتخاب ذاته....!!؟؟!!

فالنظام يخبرنا أن المجلس الوطني سينتخب في الداخل والخارج

وهنا يصفق الجميع للديمقراطية

لكن ما إن يصل القارئ إلى التفاصيل حتى يكتشف أن الديمقراطية نفسها موضوعة تحت بند إذا تعذر

وما إن تظهر كلمة التعذر حتى تبدأ الأسئلة التي هرب منها النص

ما هو التعذر

ومن يملك سلطة تعريفه

ومن يقرر أن حق الفلسطيني في الاقتراع قد أصبح متعذراً

وهل التعذر واقعة قانونية موضوعية أم قرار سياسي يرتدي ثوباً قانونياً

وهل يكفي أن ترفض دولة مضيفة إجراء الانتخابات

وهل تكفي الصعوبات الأمنية

وهل تكفي التعقيدات الإدارية

وهل يكفي مجرد العجز اللوجستي

وأين الجهة القضائية التي تراجع قرار التعذر

وأين حق المواطن في الطعن....

وأين الضمانة التي تمنع تحويل الاستثناء إلى قاعدة

ففي القانون لا تكفي الكلمات المطاطة لصناعة الشرعية

ولا تكفي العبارات الفضفاضة لتعليق الحقوق الدستورية

لأن حق الانتخاب ليس هبة من أحد حتى يجري تعليقه بقرار إداري أو سياسي....!!؟؟!!

بل هو أصل سابق على السلطة نفسها

لكن الأكثر إثارة ليس التعذر بل ما يختبئ خلفه

فعندما يتعذر الانتخاب يظهر المجمع الانتخابي

وإذا لم يكف المجمع يظهر التوافق

وإذا لم يكف التوافق يظهر التعيين

وهنا ندخل إلى المنطقة التي يتوقف فيها الفقه الدستوري ويبدأ فن السحر السياسي

فالمجمع الانتخابي ليس الشعب

والتوافق ليس الشعب

والتعيين بالتأكيد ليس الشعب

ومع ذلك يمكن للجميع أن يحلوا محل الشعب في لحظة واحدة ثم تستمر العملية تحت عنوان الانتخابات

وكأننا أمام مسابقة رياضية يسمح فيها للحكم أن يلعب مكان الفريق إذا تعذر حضور اللاعبين

ثم يعلن بعد ذلك أن المباراة جرت بصورة طبيعية...

ومن هنا يبرز السؤال الذي لم يجب عنه أحد

من الذي سيعين

ومن الذي سيختار أعضاء المجمع

ومن الذي يقرر معيار التوافق

ومن الذي يحدد أسماء المعينين

وما هي الشروط

وما هي الضوابط

وما هي المعايير

وما هي الجهة التي تراقب

وما هي الجهة التي تحاسب

وما هي الجهة التي تمنع تحول التعيين إلى بوابة خلفية لإعادة إنتاج النخب ذاتها تحت عنوان الضرورة الوطنية

ثم نصل إلى المعضلة الدستورية الثانية

وهي معضلة الصوت الانتخابي

فالنظام وزع المقاعد بين الداخل والشتات

مئتا مقعد للداخل ومئة وخمسون للشتات

لكن على أي أساس

لا أحد يعلم

هل جرى اعتماد عدد السكان

أم عدد الناخبين

أم الكثافة الديمغرافية

أم الوزن السياسي

أم التوازن التنظيمي

أم التوافقات التاريخية

أم الحسابات الفصائلية

لا توجد إجابة منشورة.....!!؟؟!!

وهنا ينهض المبدأ الدستوري الأخطر في أي نظام انتخابي

مبدأ المساواة بين الأصوات

أي أن يكون لكل مواطن صوت واحد وقيمة واحدة

أما إذا أصبح صوت فلسطيني في دائرة ما يساوي ثلاثة أو أربعة أصوات لفلسطيني في دائرة أخرى فإننا لا نكون أمام انتخابات بل أمام تفاوت دستوري مقنن

وعندها يصبح السؤال مشروعاً

هل نحن أمام نظام تمثيل شعبي أم أمام نظام توزيع حصص سياسية

لأن أي اختلال جوهري في قيمة الصوت الانتخابي لا يطعن في النتائج فقط بل يطعن في دستورية العملية الانتخابية من أساسها.....!!؟؟!!

ثم تأتي الكارثة الدستورية الكبرى

رئيس دولة منتخب مباشرة من الشعب

ورئيس منظمة منتخب بصورة غير مباشرة عبر المجلس الوطني واللجنة التنفيذية

أي أننا أمام شرعيتين مختلفتين تماماً

إحداهما تنتمي إلى النظام الرئاسي

والأخرى تنتمي إلى النظام البرلماني

ثم يجري وضعهما داخل منظومة واحدة دون تحديد واضح لمن يعلو على من

فإذا اختلف رئيس الدولة مع رئيس المنظمة فمن صاحب الشرعية الأعلى

إذا تعارضت القرارات فمن يملك الكلمة النهائية

إذا وقع نزاع سياسي فمن يحسمه

إذا أراد المجلس الوطني مساءلة الرئيس فهل يملك ذلك

إذا أراد الرئيس تجاوز المجلس الوطني فهل يملك ذلك

إذا حجبت الثقة فمن يحجبها عن من

إذا وقعت الإقالة فمن يقيل من

إذا تعطلت المؤسسات فمن يمتلك سلطة الفصل

إذا خاطب العالم الفلسطينيين فمن يتحدث باسمهم

وهل الشرعية الشعبية المباشرة أعلى من الشرعية المستمدة من المجلس الوطني

أم العكس

هذه ليست أسئلة أكاديمية

هذه هي الأسئلة التي قامت بسببها أزمات دستورية في دول وأسقطت حكومات وأسقطت أنظمة سياسية كاملة

لكن النص يتعامل معها وكأنها تفاصيل مؤجلة يمكن تركها للزمن

والزمن في السياسة الفلسطينية أثبت دائماً أنه لا يحل الأزمات بل يراكمها....!!؟!!

ثم تأتي العقدة الأخطر

العلاقة بين الدولة والمنظمة

فعلى مدى أكثر من عقد قيل للفلسطينيين إن المشروع الوطني يتجه نحو ترسيخ الدولة ومؤسساتها وقوانينها ومرجعياتها

لكن النظام الجديد يبدو وكأنه يسير في الاتجاه المعاكس تماماً

فبدلاً من أن تذوب وظائف المنظمة تدريجياً داخل مؤسسات الدولة الحديثة

يجري دفع الدولة نفسها إلى داخل عباءة المنظمة

وكأن الهدف لم يعد بناء دولة ذات سيادة قانونية واضحة

بل المحافظة على الازدواجية التاريخية باعتبارها قدراً سياسياً أبدياً....!!؟؟!!

وفي النهاية يبدو النظام الانتخابي الجديد وكأنه محاولة لبناء طابق إضافي فوق مبنى لم تُحسم ملكية أرضه بعد

فلم يحسم معنى الانتخاب

ولم يحسم شروط التعذر

ولم يحسم معايير التعيين

ولم يحسم قيمة الصوت الانتخابي

ولم يحسم العلاقة بين الدولة والمنظمة

ولم يحسم العلاقة بين رئيس الدولة ورئيس المنظمة

ولم يحسم الجهة التي تملك القرار الأخير عندما تتصادم الشرعيات....

ومع ذلك يطلب من الفلسطينيين أن يتعاملوا معه باعتباره بوابة الإصلاح السياسي

والحقيقة أن الإصلاح لا يبدأ من زيادة عدد المقاعد ولا من إعادة رسم الدوائر ولا من استبدال المصطلحات

الإصلاح يبدأ عندما يصبح الشعب هو مصدر الشرعية الوحيد بلا شريك

وعندما يصبح الانتخاب انتخاباً لا اسماً مستعاراً للتعيين

وعندما يصبح التعذر استثناءً نادراً لا بوابة مفتوحة للبدائل

وعندما يعرف الفلسطيني قبل الذهاب إلى صندوق الاقتراع من يحكمه ومن يحاسبه ومن يعلو على من ومن يملك القرار الأخير....!!؟؟!!

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي نظام سياسي ليس أن يخسر الانتخابات

بل أن يربح انتخابات لم ينجح أصلاً في تعريف قواعدها الدستورية.....!!؟!!