مرضى السرطان … معاناة بين المرض والإهمال
نشر بتاريخ: 2026/06/12 (آخر تحديث: 2026/06/12 الساعة: 13:49)

في شوارع القاهرة ومدن مصر المختلفة يعيش مئات المرضى القادمين من غزة فصلاً آخر من المعاناة لا يراه كثيرون ولا يسمع عنه أحد. لم يأت هؤلاء بحثاً عن رفاهية أو حياة أفضل بل دفعتهم الحرب وانهيار المنظومة الصحية في قطاع غزة إلى رحلة علاج اضطرارية، حملوا فيها أجساداً أنهكها المرض وقلوباً أثقلتها الغربة والقلق.

هؤلاء المرضى لا يواجهون مرضاً واحداً، بل سلسلة متواصلة من الأوجاع فإلى جانب السرطان والأمراض المزمنة والخطيرة يخوضون يومياً معركة أخرى مع الإيجار وتكاليف المعيشة وأسعار الدواء والمواصلات والفحوصات الطبية وبين موعد علاج وآخر يقف كثير منهم عاجزين أمام أبسط متطلبات الحياة، وكأن المرض وحده لم يكن كافياً.

ومع مرور الوقت لم يعد السؤال المطروح بين المرضى وعائلاتهم يتعلق بحجم المساعدات المقدمة من السفارة الفلسطينية أو المؤسسات الراعية بل أصبح سؤالاً أكثر إلحاحاً ومرارة لماذا لا توجد منظومة رعاية عادلة وواضحة تحفظ الحد الأدنى من كرامة المرضى وتؤمن لهم مقومات الصمود خلال رحلة العلاج؟

كيف يمكن لمريض سرطان أن يواجه معركته مع المرض وهو مهدد بالطرد من مسكنه بسبب تراكم الإيجار؟ وكيف يمكن لمريض يحتاج إلى دواء أو فحص عاجل أن يجد نفسه مضطراً للاختيار بين العلاج والطعام؟ وكيف يمكن لمؤسسات أنشئت أساساً لخدمة أبناء شعبها أن تكتفي بالمشاهدة بينما تتفاقم معاناة المرضى يوماً بعد يوم؟

الأكثر إيلاماً أن حالة من التفاوت باتت واضحة للعيان فهناك مستفيدون يحصلون على دعم مستمر ومنتظم بينما يعيش عشرات المرضى الآخرين على هامش الاهتمام، ينتظرون مساعدة قد تصل أو لا تصل. وهذا الواقع خلق شعوراً عميقاً بالظلم والإحباط، لأن المرضى لا يطالبون بامتيازات خاصة ولا بمعاملة استثنائية، بل يطالبون فقط بمعايير عادلة تساوي بينهم وتضمن وصول الدعم إلى مستحقيه.

إن الحديث عن محدودية الإمكانيات لا يكفي لتبرير هذا الواقع. فحتى في ظل شح الموارد تبقى هناك مسؤوليات لا يمكن التنصل منها وفي مقدمتها الشفافية في إدارة المساعدات والإفصاح عن معايير الاستحقاق وإعداد قواعد بيانات دقيقة للمرضى، ومتابعة أوضاعهم الصحية والاجتماعية بصورة منتظمة. فالعدالة لا تحتاج دائماً إلى أموال أكثر بل تحتاج إلى إدارة أفضل وإرادة حقيقية وشعور صادق بالمسؤولية.

إن المرضى الذين أجبرتهم الحرب على مغادرة غزة لا يجب أن يتحولوا إلى أرقام في قوائم الانتظار أو حالات موسمية تستدعى عند التقاط الصور وإصدار البيانات. هؤلاء بشر فقدوا الأمن والاستقرار والوطن مؤقتاً، ولا يجوز أن يفقدوا أيضاً حقهم في الرعاية والاهتمام والعيش بكرامة.

ومن هنا فإن المسؤولية لا تقع على جهة واحدة، بل هي مسؤولية وطنية وأخلاقية مشتركة تبدأ من السفارة الفلسطينية والمؤسسات الراعية ولا تنتهي عند المنظمات الإنسانية ورجال الأعمال وأبناء الجالية الفلسطينية وكل من يستطيع أن يساهم في تخفيف هذا العبء الثقيل.

ما يحتاجه مرضى غزة في مصر ليس الشفقة ولا التعاطف الموسمي بل نظام رعاية عادل وشفاف يحفظ كرامتهم ويمنحهم القدرة على التركيز على معركتهم الحقيقية معركة البقاء على قيد الحياة.

لقد دفع هؤلاء المرضى أثماناً باهظة للحرب والتهجير والمرض، ومن حقهم علينا جميعاً أن نوفر لهم الحد الأدنى من الحياة الكريمة. فكرامة الإنسان لا تتجزأ والمريض الذي فقد صحته لا يجوز أن يفقد معها حقه في الرعاية والحماية والاهتمام.

ويبقى السؤال الذي يطارد كل هذا المشهد المؤلم كم مريضاً يجب أن نفقد قبل أن تتحول معاناتهم إلى أولوية؟ وكم عائلة يجب أن ترتدي السواد قبل أن تدرك المؤسسات المعنية أن واجبها لا يبدأ بإرسال التعازي بعد الوفاة بل بحمايتهم من شبح الموت.