مستقبل الحرب بين واشنطن وتل أبيب
نشر بتاريخ: 2026/06/12 (آخر تحديث: 2026/06/12 الساعة: 16:51)

من يتابع ما ينشره موقع «أكسيوس» ووسائل الإعلام والصحافة الأميركية والإسرائيلية، فيما يخص الحرب الإقليمية في الشرق الأوسط، يظن أنه يشاهد عرضاً مسرحياً، وليس حرباً لها أسرارها، ويتبدى ذلك خاصة حين تنشر تلك المواقع ما يجري من اتصالات وحوارات ومحادثات بين الرئيس الأميركي ورئيس الحكومة الإسرائيلية، ذلك أن نشر تفاصيل تلك المحادثات بما تتضمنه من «حروف ونقاط» وكأنها كانت تبث على الهواء مباشرة، أو كأن وسائل الإعلام تلك ترتدي «طاقية الإخفاء» بحيث أنها تكون «مندسة» طول الوقت بين رجلين، يتحدثان عبر هواتف محاطة بالسرية التامة، وعبر اللغة الانجليزية التي يتقنها بنيامين نتنياهو بقدر دونالد ترامب، إن لم يكن أفضل منه.

عادة كانت تفاصيل ما يجري في «القصور الملكية والرئاسية» تبقى حبيسة الأسوار، وطي الكمان، نظراً لتأثيراتها على مصالح الدول والحكومات، وكانت العادة أيضاً أن يجري إشباع فضول الجمهور، بعد سنوات من تلاشي ذلك التأثير، حين ينكب أحد السياسيين على كتابة مذكراته، أو حين يفتح عقله وقلبه، بعد باب منزله أمام الصحافيين، فيجري الحوارات، ويجيب عما جرى في الماضي من أحداث وما إلى ذلك، لكن أن يجري «الكشف» تباعاً عما يجري من محادثات بين ترامب ونتنياهو، فإن ذلك لا يجري لا عفو الخاطر، ولا لأن أميركا وإسرائيل باتتا على قدر «خارق» من الشفافية، بحيث لم تعد هناك من أسرار دولة على إعلام البلدين، فالأمر فيه «إن»، بل هو مقصود، وهو مسار مكمل لمسار الحرب نفسها، بحيث تتكامل مسارات الحرب الثلاثة: المواجهة العسكرية الميدانية، والمسار التفاوضي، ومسار التسريبات الإعلامية، المقصودة والمخطط لها جيداً، حتى تؤدي دوراً، أو بمعنى أدق وأعمق، حتى تكمل النقص الميداني.

ويقيناً لو أن المواجهة العسكرية قد حققت أهداف الحرب للجانبين الاسرائيلي والأميركي، لما كانا بحاجة لا للتفاوض الأميركي مع إيران، ولا للتفاوض الإسرائيلي مع لبنان، ولا لهذا المسار الإعلامي من تسريب المحادثات المقصود، بل المفبرك تماماً، ليس لأن الرجلين صديقان، ولا لأن البلدين حليفان وحسب، بل ومع احتمال أن تكون هناك تباينات وحتى خلافات، تقع عادة بين أعضاء الحكومة الواحدة، لكن لا يعلن عنها، ولا يجري تسريبها، خاصة أن الحديث لا يجري عن اجتماعات يشارك فيها العديد من الأفراد، فلو كان الأمر يتعلق باجتماع حكومة إسرائيلي، عادي أو حتى مصغر، لكان يمكن فهم خروج تسريب إعلامي، من قبل أحد المشاركين، لأن له مصلحة في ذلك، كما يحدث مع إيتمار بن غفير، أو بتسلئيل سموتريتش، لكن -بتقديرنا - فإنه مع وجود تباينات حول تكتيكات الحرب داخل إدارة ترامب، أعمق مما هي بينه وبين نتنياهو، على الأخص بين نائبه جي دي فانس، ووزير حربه بيت هيغسيث، لكن حتى ما جري داخل غرف البيت الأبيض بقي طي الكتمان، وليس هناك من إعلان سوى عن وجود خلافات تصل أحياناً إلى «السب والشتم» من ترامب لنتنياهو.

والحقيقة أن «المية تكذب الغطاس»، أي أن ما يحدث ميدانياً، حتى في لحظة الإعلان عن وجود الخلافات، وعن وقوع محادثات حادة، نجد أن التنسيق الميداني غير مسبوق، وكأن الطرفين ما هما إلا سلاحا جيش واحد، لكن ذلك لا يعني بالطبع عدم وجود أي تباينات في إدارة الحرب، خاصة بعد أن قاما بشنها، ولم تسر أمورها كما اشتهت سفنهما.

وبسبب التعثر الميداني، من الطبيعي أن تظهر الخلافات، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، الحديث يجري عن بلدين، صحيح أنه يجمعهما تحالف استراتيجي ليس له مثيل، لكن ترامب قد تنكر لشركائه الأوروبيين في «الناتو»، وصحيح أن العلاقة مع إسرائيل مختلفة، لكن تبقى لأميركا مصالح عليا، ربما هذه الحرب تعتبر ميدان اختبار حقيقي لها، فأميركا تسعى لتثبيت أركان نظامها العالمي الذي يتضعضع، بتثبيت ركائزها في الشرق الأوسط، وإسرائيل تسعى لإقامة إسرائيل الكبرى في الشرق الأوسط، كذلك هناك عاملا ضغط متباينان على ترامب ونتنياهو؛ الأول يتمثل في انتخابات الكونغرس النصفية، والثاني في انتخابات الكنيست.

إذاً هناك ما يجمعهما خلال هذه الحرب وهو تحقيق أهدافهما، التي هي أيضاً ليست بالضرورة متطابقة مئة بالمئة، فترامب يريد السيطرة على نفط إيران، ويحلم بإخراجها من دائرة التحالف مع الصين، ليحكم قبضته على الخصم الاقتصادي العالمي، لذلك أميركا وترامب يظهران الاستعداد لجعل إيران حليفاً لأميركا، كما كانت في عهد الشاه، أما إسرائيل، فإنها تسعى لتحطيم قوة إيران العسكرية والاقتصادية لإزاحتها من طريق إسرائيل الكبرى، وقد لا يبدو أن هناك خلافاً كبيراً في هذا الهدف بين ترامب ونتنياهو، لكن لعل أبعاد هذا تظهر فيما يمنحه نتنياهو من أولوية لمواصلة الحرب بالمواجهة العسكرية، فيما يفضل ترامب، أولاً استخدام الضربات العسكرية الخاطفة، وليس الانخراط في حرب طويلة الأمد، ثم التفاوض وحتى الحصار البحري الذي يتغنى به حالياً ليل نهار، ليغلق الباب أمام مطالبة نتنياهو المتواصلة بعودة أميركا لمتابعة الحرب على إيران.

والمشكلة ظهرت ارتباطاً بالرد الإيراني على الحرب التي شنتها أميركا وإسرائيل معاً، فهي لم تسقط سريعاً، كما كان يتمنى ترامب، ثم بات استمرارها، يعود بالضرر على أكثر من مستوى لأميركا، فيما يخص ما يلحق بقواعدها العسكرية مباشرة، وما يلحق من ضرر اقتصادي بحليفاتها الخليجيات، ثم ما يفعله مضيق هرمز من ارتفاع أسعار النفط، ومعه ارتفاع «ضغط» ترامب بانعكاس ذلك على مستوى التضخم داخل أميركا نفسها، بالنسبة لنتنياهو كل هذا لا يعنيه، فهو من مصلحته أن يتحطم الخليج العربي أيضاً، تماماً كما حدث في الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 - 1988، حيث تسببت الحرب بتحطيم البلدين، وإسرائيل «تحلم» حتى بتحول الحرب إلى حرب إيرانية عربية في الخليج لتحطيم القوتين الاقتصاديتين والعسكريتين بما يفرغ الشرق الأوسط تماماً من كل أدوات القوة، ليكون لقمة سائغة سهلة الهضم في بطن «الحوت» الإسرائيلي.

المهم في الأمر، أن مسار الحرب، وحتى الصراع في الشرق الأوسط، لم يعد رهناً فقط بما هو بين ترامب ونتنياهو من «توافق» أو من تباين تكتيكي أو حتى خلاف، ذلك أن الطرف الآخر، بما أظهره ويظهره من ندية في ميدان القتال، وفي دهاليز التفاوض، وحتى فيما يخص المسار الإعلامي نفسه، يؤكد أن القصة «طوالة» ونهاياتها لن تكون ولا بأي حال كما اشتهى نتنياهو، أو كما توقع ترامب»، وبما أن أبعاد الصراع كونية وإقليمية، فإن عناصر الحسم، تتعدى ما يجري تداوله، ولو أن الحرب تحسم بالتصريحات، لكان ترامب قد انتصر في اليوم التالي لشنها، لكن حقائق التاريخ تقول إن من يدير الحروب برباطة جأش، وبالكثير من الكتمان، هو الذي يربحها، مع كل هذا فيمكن لنا أن نتوقع ما سيحدث على المدى القريب، وذلك بعد أن غيّر ترامب لهجته ولغته مئة وثمانين درجة، فلم يعد يهدد بمحو إيران وما إلى ذلك، بل بات يتغزل بمرشدها بقوله إنه «يشرفه» لقاؤه، وكأن المرشد كان قد عرض عليه اللقاء الثنائي!

ترامب يقول إنه سيعلن النصر خلال أسبوعين، وعلى الأغلب أن ذلك لن يحدث بناء على اتفاق مع إيران، ولا حتى اتفاق إطار، لكن مثل ذلك الإعلان، يعني أنه يبرر لنفسه الانسحاب من الحرب، بعد أن فعل لإسرائيل ما لم يفعله أي من الرؤساء الأميركيين من قبل، وحتى هرمز سيتركه لإيران وعمان، تديرانه، مع أن هذا يعني أن أميركا قد خسرت أحد أهم ركائز نظامها العالمي، القائم على التحكم في طرق التجارة العالمية من خلال السيطرة على المضائق البحرية، لكنه سيدّعي أنه يحاصر إيران بحرياً، وأنه سيظل يطالب الأوروبيين وكل المتضررين من تحكم إيران بالمضيق للتدخل وإيجاد حل، أو أنه سيترك الأمر للمتابعة لاحقاً، وهذا ستظهر أبعاده بناء على حركة قطعه البحرية الموجودة الآن في المنطقة.

وإيران تتبع تكتيكاً من خلال التفاوض مع أميركا للفصل بينها وبين إسرائيل، فيما تحرص هي من جانبها على الربط مع حزب الله، بالنتيجة، على الأغلب فإن أميركا ستخرج من الحرب مع إيران، فيما إسرائيل ستحاول الفصل بين إيران وحزب الله، ومن هنا كانت أهمية مدخل التفاوض مع لبنان الرسمي في واشنطن، فإسرائيل، تحاول تعويض الإخفاق على مستوى تحقيق إسرائيل الكبرى بالتمدد في دول الجوار، وهي حصراً الآن كل من فلسطين وسورية ولبنان، وعلى الأرجح فإن إيران بمجرد خروج أميركا بإعلانها النصر من الحرب معها، لن تتخلى عن جنوب لبنان، لذلك فأن تنتقل الحرب لتكون بين إيران وإسرائيل دون أميركا، يعني أن المسار قد تحول تماماً في اتجاه آخر.