غزة خارج الصندوق… حين تصبح الانتخابات ترفاً لا يملكه الموتى
نشر بتاريخ: 2026/07/18 (آخر تحديث: 2026/07/18 الساعة: 16:51)

"انتخابات؟ ومن سينتخب؟ الأحياء الذين صاروا يُعَدّون على الأصابع، أم الموتى الذين صاروا أكثر منا؟"

بهذه الجملة المقتضبة، كطلقة رصاص، يجسد أبو نضال القطيعة الوجودية بين غزة والانتخابات.

في نظريات العلوم السياسية، تُعدّ الانتخابات عقداً اجتماعياً؛ يمنح المواطن صوته للدولة، فتمنحه الأمن. لكن أيُّ عقدٍ هذا في غزة؟ تقول أم محمد، التي فقدت أبناءها الأربعة: "لا أريد رئيساً ولا حكومة، أريد أن أعرف في أي مقبرة دُفن أطفالي. هذا هو تصويتي الوحيد."

في غزة اليوم صندوقان فقط: صندوق المساعدات الذي لا يصل، وصندوق الموتى الذي يمتلئ. والحديث عن الانتخابات يشبه الحديث عن قائمة طعام فاخرة لأناس يموتون جوعاً. لقد تحول الجسد الفلسطيني إلى صندوق اقتراع، وصار الدم المسفوح "الحبر الانتخابي" الوحيد. وكل شهيد ناخبٌ شُطب من السجل إلى الأبد.

تقول الصحفية مريم: "كنت أصوّر الناس وهم يدلون بأصواتهم، واليوم أصوّر الأمهات اللواتي يبحثن عن أطفالهن. أيُّهما الانتخابات الحقيقية؟"

أما الانقسام، الذي كان شماعة فشل الانتخابات، فلم يعد قائماً بالمعنى الذي عرفناه، لأن غزة نفسها، كجغرافيا وحياة يومية، تعرضت للطمس والتدمير. فكيف تُجرى انتخابات حيث لا مبانٍ ولا مراكز اقتراع ولا سجلات مدنية فاعلة؟ وكيف تُجرى وشعبها كتل بشرية متنقلة بين الشمال والجنوب؟

لقد تحول وعي الغزيّ بالكامل. تقول الطبيبة سحر: "حين أذكر الانتخابات لمرضاي، ينظرون إليّ بدهشة. إنهم مشغولون بالبحث عن أطفالهم المفقودين." فالسياسة في غزة لم تعد صراعاً على السلطة، بل صراعاً على البقاء. والمشاركة السياسية ليست صناديق اقتراع، بل القدرة على الصمود يوماً إضافياً.

ويقول الناشط أحمد: "حين أسمع عن الانتخابات أشعر بالغضب. فهذا يعني أن العالم يتعامل معنا كشعب طبيعي له دولة طبيعية، بينما نحن نتعرض لإبادة جماعية." وهنا تكمن المفارقة؛ فالحديث عن الانتخابات يبدو، في نظر كثيرين، وكأنه إنكار لحجم المأساة، وكأن من يتحدث عنها يقول لأهل غزة: "أنتم ما زلتم تعيشون حياة طبيعية"، بينما الواقع يقول غير ذلك.

ذات مرة قال عجوز في غزة: "أفهم أن الانتخابات تعني أن لي وطناً." أما اليوم، فالوطن الذي كان يعني انتخابات صار نوافذ محطمة، ومستشفيات مقصوفة، ومساجد وكنائس ومدارس تحولت إلى مقابر.

وفي خيمة جنوب القطاع، يسأل طفل أمه: "متى سنرجع إلى بيتنا؟" لا تسألوها عن الانتخابات ولا الأحزاب ولا المرشحين، بل اسألوها إن كان لديها دواء لطفلها المريض، أو رغيف خبز، أو تعرف أين دُفن زوجها.

لقد خرجت غزة من اللعبة السياسية، لا لأنها لا تريد المشاركة، بل لأن اللعبة نفسها انهارت. وحين تنهض من تحت الركام، ستبني كل شيء من جديد: البيوت، والمدارس، والمستشفيات... وصناديق الاقتراع أيضاً.