من رحم الركام يولد الأمل.. ناجحو الثانوية العامة في غزة يكتبون النصر بالعلم
نشر بتاريخ: 2026/07/26 (آخر تحديث: 2026/07/26 الساعة: 23:51)

في مشهد يليق بالأساطير، أعلنت وزارة التربية والتعليم الفلسطينية نتائج الثانوية العامة لصيف 2026، لتخرج من تحت ركام غزة أسماءٌ كتبت النجاح بالدموع والصبر والإرادة، وأثبتت أن الاحتلال الذي دمّر الحجر عجز عن كسر البشر.

لم تكن رحلة هؤلاء الطلاب نحو النجاح طريقًا تقليديًا، بل كانت ملحمة صمود تُروى للأجيال. ففي خيام النزوح المكتظة، حيث لا كهرباء ولا مقاعد دراسية، حوّل الطلبة الألواح الخشبية إلى مناضد، والبطاريات الصغيرة إلى مصادر للإنارة، والهواتف المحمّلة بالكتب الإلكترونية إلى بوابات للمعرفة. كانوا يفرّون من القصف صباحًا ويعودون إلى الدراسة ليلًا، في سباق محموم مع الموت، فيما ارتقى عشرات منهم شهداء قبل أن تصلهم نتائجهم.

في مخيم جباليا، الذي سُوّي بالأرض، نجح محمد الكردي بمعدل 99.6% في الفرع العلمي، رغم استشهاد والده وإخوته الثلاثة. يقول محمد، الذي كان يذاكر على ضوء مصباح يعمل ببطارية داخل خيمة في العراء: «كل إجابة كتبتها كانت ثأرًا لدمائهم. سأصبح طبيبًا، لأن غزة التي مزقتها القنابل تحتاج إلى من يضمد جراحها». كلمات تختصر روح جيل كامل قرر أن يبني من الموت حياة، ومن الألم أملًا.

أما شهد العجرمي، فتبدو قصتها أقرب إلى المعجزة. فبعد أن بُترت ساقاها في قصف إسرائيلي، رفضت الاستسلام ونجحت بمعدل 92%، لتعلن من على كرسيها المتحرك: «أرادوا كسر إرادتي، فكسروا جسدي، لكن عقلي ظلّ حرًّا». ولم تكن شهد حالة فردية، بل كانت واحدة من عشرات الجرحى الذين تقدموا للامتحانات من داخل المستشفيات أو في ساحاتها، فيما فقد أطفال آخرون أبصارهم جرّاء القصف، فكان المعلمون يملون عليهم الدروس بصوت يعلو فوق أزيز الطائرات.

واجه هؤلاء الأبطال أشكالًا متعددة من المعاناة؛ موتًا بطيئًا على هيئة مجاعة في الشمال، وعطشًا قاسيًا في الجنوب، وإنهاكًا نفسيًا يفوق الوصف. كان الطالب يمسك قلمه بيد، ويسند رأسه المثقل بالجوع باليد الأخرى، ومع ذلك وجدوا في أجهزة الراديو القديمة فصولًا دراسيةً، وفي الكتب الممزقة المتداولة بين الخيام كنوزًا من العلم والمعرفة.

ويصف المعلم إبراهيم أبو شمالة، الذي تطوع للتدريس داخل خيمة وسط رفح، تلك التجربة قائلًا: «كنت أنظر في عيونهم فأرى إصرارًا لا يوصف. لم يكن أحد يشتكي، كنا جميعًا في سباق مع الموت لنثبت أن الحق في الحياة والتعليم أقوى من آلة القتل».

وعند إعلان النتائج، اختلطت دموع الفرح بدموع الفقد. فقد استشهد عشرات الطلاب المتفوقين قبل الامتحانات النهائية، ووُضعت أسماؤهم على قوائم الشرف، يتقدمهم الشهيد آدم الشوا، الذي كُتب إلى جانب اسمه: «استشهد قبل أن يرى حلمه يتحقق». وكان مشهد نتيجته المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي أشبه بوثيقة اتهام للعالم الصامت، ووسام شرف لعائلة حملت نعشه قبل أن تحمل شهادته.

في المحصّلة، فإن هؤلاء الناجحين ليسوا مجرد أرقام في كشوف وزارة التربية والتعليم، بل هم رسالة غزة إلى العالم: يمكنكم تدمير مدارسنا، وقتل معلمينا، وتجريف بيوتنا، لكنكم لن تنجحوا أبدًا في قتل إرادتنا. فمن رحم الركام لا يولد اليأس، بل يولد الأمل، مزهرًا بأسماء هؤلاء الأبطال الذين كتبوا النصر بالعلم على جدران الخيام، وأثبتوا أن المعرفة قادرة على الانتصار حتى في أحلك الظروف.