خالد عز الدين... حين يتحول القيد إلى قلم
نشر بتاريخ: 2026/08/01 (آخر تحديث: 2026/08/02 الساعة: 01:18)

قال الحكماء: "الحرية لا تُمنح ... إنما تُنتزع من فم الظلم انتزاعاً" وقلّ أن يجتمع في إنسانٍ واحد أن يكون الأسير والمحرر، أن يكون الجرح والضماد، أن يخرج من عتمة الزنزانة حاملاً على كتفيه لا حريته وحدها، بل حرية من تركهم خلفه يعدّون الأيام على جدران لا تعرف التقويم ... هكذا هو خالد عز الدين، الأسير الذي حرر جسده من القيد، فأبى أن يحرر روحه من القضية، فحوّل تجربته الشخصية المُرّة إلى مشروعٍ إنسانيٍّ متكامل، ينبض بالكلمة كما ينبض القلب بالدم.

- حين يصبح الألم رسالة.

من الأهمية بمكان أن نتوقف عند هذه الظاهرة الفريدة في مسار المقاومة الفلسطينية خاصة والإنسانية عامة ... أن يخرج الأسير من سجنه لا لينسى، بل ليروي، فخالد عز الدين لم يكن ..كما يُخيّل لبعضهم .. ضحيةً تبحث عن مرفأ للنسيان، بل كان وما يزال شاهداً حيّاً يرفض أن تُختزل معاناة آلاف الأسرى في أرقامٍ جامدة أو بياناتٍ صحفية عابرة تمر مرور الكرام على ضمير عالمٍ مثقل بازدواجية المعايير. أدرك خالد بحدسه العميق أن "قصص الأسرى تموت داخل الزنازين" ما لم يُبعث لها من يحمل أمانة الكلمة ويوصلها إلى الرأي العام العربي والدولي، فقرر أن يكون الجسر الذي يعبر عليه صوت المكبّلين إلى فضاء الحرية.

اختار من الجزائر منطلقاً لمشروعه، ليس محض مصادفة، بل لأنه أدرك أن ثورتها التحريرية الخالدة تحمل في طياتها ذاكرة جماعية تفهم معنى الأسر ومعنى الانعتاق، فربط .. بحكمة من عاش التجربة .. بين النضال الفلسطيني والذاكرة الثورية الجزائرية، مذكّراً العالم بأن تحرير الجزائر الذي بدا يوماً مستحيلاً، ما كان إلا ثمرة إرادة شعبية توحّدت تحت مظلة المقاومة، وكأنه بذلك يهمس في أذن كل قارئ ... نحن أيضاً لا نروي معاناتنا استجداءً للشفقة، بل إثباتاً لقدرتنا على تحويل الألم إلى مشروع تحرير.

- الإعلام سلاحاً ناعما وصرخة مدوية.

سخّر خالد عز الدين الإعلام الرقمي والمطبوع سلاحاً ناعماً لا يقل مضاءً عن أي سلاحٍ آخر، فكل كلمة ينشرها .. كما يصف هو ذاته .. رصاصةٌ في جبهة الوعي، أسس مشروعه الإعلامي بالتعاون مع نادي الأسير الفلسطيني، وأقام تحالفاتٍ ذكية مع صحف ومنابر عربية، محوّلاً إياها إلى منصاتٍ دائمة لفضح انتهاكات الاحتلال ونقل شهادات الأسرى المباشرة، من التعذيب إلى التجويع، ومن العزل الانفرادي إلى الإهمال الطبي الممنهج، لم يكتفِ بالورق، بل واكب العصر وامتطى صهوة الفيديوهات التوثيقية القصيرة عبر منصات التواصل الاجتماعي، مؤمناً بأن التحدي فرصةٌ للإبداع لا مبررٌ للانكفاء.

وهنا يكمن جوهر تجربته ... أنه لم يجعل من قضيته شأنا فردياً يُطوى مع الزمن، بل قضيةً تستوجب التعميم والتدويل، فناشد .. ومازال يُناشد .. المنظمات الحقوقية والمعنية أن تقف على حقيقة ما يجري خلف الأسوار، وأن تنقل للعالم ما يُراد له أن يبقى طيّ الكتمان.

- ولادات لا ترى الشمس ... وأسر تُمزَّق بلا رحمة.

ولعل أشد ما يُدمي القلب ويُشجي الفؤاد .. في هذه المأساة الإنسانية المستمرة .. تلك الولادات التي تُزهر داخل جدران المعتقلات، أطفالٌ يُولدون في العتمة قبل أن يعرفوا الضياء، تُهرَّب نطفهم عبر حواجز وأسلاك شائكة (وهذا لعمري مقاومة فريدة ) ليأتوا إلى الحياة بلا أبٍ يحتضنهم أو صوتٍ يهدهدهم سوى صدى الجدران، هؤلاء الأطفال الذين لم يعرفوا سوى أسوار السجن سياجاً لعالمهم الأول، وأمهاتٌ يخبئن صور فلذات أكبادهن في زنازين ضيقة، يحاول السجّان انتزاع سحر ابتسامتهم من ذاكرة الأب المكبّل.

وأي مأساة أعمق من تلك التي تعصف بكيان الأسرة، حين يُفصل الزوج عن زوجه، والأب عن ابنه، والأخ عن أخيه، في تفكيكٍ ممنهجٍ ومقصود، يستهدف ليس الجسد وحده، بل النسيج الاجتماعي بأكمله؟ فالسجن هنا لا يعتقل إنساناً واحداً، بل يعتقل عائلةً بكاملها، ويُمزّق أواصر القربى التي هي أصل الوجود الإنساني وسرّ استمراره، إن الأمهات اللواتي ينتظرن أبناءهن منذ عقود، والزوجات اللواتي يُهدين أطفالهن صوراً بدل الأحضان، هنّ الشاهد الحي على أن الاحتلال لا يستهدف الجغرافيا فحسب، بل يستهدف الزمن الإنساني ذاته، محاولاً سرقة الطفولة والشيخوخة معاً.

- من التجربة الشخصية إلى الدرس الإنساني الخالد.

استطاع خالد عز الدين أن يحوّل أسره الشخصي إلى مدرسةٍ في الصمود، ودرسٍ يُستفاد منه في كل زمانٍ ومكان، فجعل من محنته منصة لاستنهاض ضمائر الكتّاب والمبدعين، مستميلاً أقلامهم لتناول هذه القضية الإنسانية المؤلمة بعمقٍ يليق بها، فأصدر إصدارات خاصة ضمّت مقالاتٍ لكتّاب وأكاديميين بارزين حللوا معاناة الأسرى من زوايا متعددة، بعضهم رأى في استشهاد الأسرى نموذجا للقمع الممنهج، وبعضهم هاجم ازدواجية المعايير الدولية التي تُغمض عيناً وتفتح أخرى بحسب مصلحتها، وبعضهم الآخر أشرف بنفسه على إصدارات توثّق شهادات الأسرى القدامى وتُبرز عدالة قضيتهم.

وهذا .. في تقديري .. هو المغزى الأسمى من تجربة خالد عز الدين ... أنه أدرك أن المعركة مع الظلم ليست مسلحةً فحسب، بل هي معركة سردياتٍ تُروى بالكلمة والصورة والعلاقة الاستراتيجية، فامتلك .. بحكمة من عاش الألم .. ناصية هذا الوعي، وأصبح نموذجاً يُحتذى في تحويل التجربة الفردية إلى قضية جماعية، والجرح الشخصي إلى صوتٍ عالمي.

- إهمال القضية ... وصمة في جبين العالم المتحضر

إن إهمال قضايا الأسرى، والتقاعس عن كشف ما يجري خلف جدران المعتقلات من عنفٍ وقمعٍ وترهيب، لا يشكّل ثغرة إعلامية عابرة، بل يشكّل .. بكل ما تحمله الكلمة من ثقل أخلاقي .. وصمة عار في جبين ما يُسمى بالعالم المتحضر، ذلك العالم الذي يرفع شعارات حقوق الإنسان نهاراً، ويُغمض عينيه ليلاً عن ولاداتٍ تُزهر في العتمة وعائلاتٍ تُمزَّق بلا رحمة، فكيف يستقيم الحديث عن حضارةٍ إنسانية بينما تُحرم امرأةٌ من رؤية طفلها، ويُحرم طفلٌ من معرفة أبيه، وتُحرم أسرةٌ بأكملها من حقها الطبيعي في الاجتماع والدفء؟

إن ما فعله خالد عز الدين، حين أبى أن يطوي صفحة أسره وينسى، وأصرّ أن يجعل من قلمه وصوته سلاحاً يخترق جدران الصمت الدولي، هو فعلٌ أخلاقيٌّ ووطنيٌّ وإنسانيٌّ بامتياز، يُعيد للفن الحقيقي معناه، وللكلمة رسالتها، وللإنسان كرامته المسلوبة، فالفن .. كما أرى دوما .. رسالة اجتماعية وأخلاقية ووطنية تراثية إنسانية، والكلمة كذلك، حين تُوظَّف لخدمة الحق والعدالة والجمال، تتجاوز حدود الورق لتصبح فعل مقاومة وصرخة ضمير.

ختاماً ... صوتٌ من خلف القضبان يُخاطب العالم.

دام صوت خالد عز الدين حارساً أميناً لسردية الأسرى، ودامت كلماته رصاصاتٍ في جبهة الوعي، تُذكّر العالم بأن القضية الفلسطينية ليست شأنا محلياً خالصاً، بل قضية كرامةٍ إنسانية عابرة للحدود واللغات والانتماءات، فمن استطاع أن يسرق من سجّانه الرواية، ويحوّل صمت الزنزانة إلى صرخةٍ تدوي في ضمير العالم، يستحق أن يُروى اسمه لا في سجلات الأسرى فحسب، بل في سجل من حوّلوا جراحهم الشخصية إلى مشاريع تحرير جماعي، وأثبتوا أن الإنسان، مهما بلغت به قسوة القيد، يظل قادرا على أن يمنح العالم درساً في الكرامة والصمود والانتصار للحق.

دامت قيمنا ودام جمالنا ودام وعينا.