في لحظة فلسطينية شديدة التعقيد، حيث يتقاطع ألم غزة مع تهديدات الضفة والقدس، ويتعمق الانقسام السياسي والمؤسساتي، تبرز الحاجة إلى مراجعة وطنية شجاعة لا تبحث عن المنتصر في الصراع الداخلي، وإنما تبحث عن فلسطين التي يجب أن تنتصر على الجميع.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الطرح الذي يقدمه محمد دحلان، أو أبو فادي، باعتباره محاولة لطرح تصور يتجاوز إدارة الأزمة إلى التفكير في مرحلة فلسطينية جديدة.
جوهر هذا الطرح أن ما أصاب الفلسطينيين يجب ألا يتحول إلى مجرد مآسٍ متكررة، بل إلى دروس وطنية تفرض مراجعة الماضي، وتعيد ترتيب العلاقة بين الفرد والمؤسسة، وبين الفصيل والوطن، وبين السلطة والشعب.
المشكلة ليست في التعددية
ينطلق الطرح الدحلاني من فكرة أساسية: المشكلة الفلسطينية ليست في وجود فتح، ولا في وجود حماس، ولا في تعدد القوى والفصائل.
فالتعددية السياسية ليست عيباً، والاختلاف ليس خطراً على الوطن.
الخطر يبدأ عندما تتحول الفصائلية إلى بديل عن الوطنية، وعندما يصبح الشخص فوق المؤسسة، وعندما يصبح القرار ملكاً لفرد أو مجموعة، وعندما تتقدم المصالح الشخصية على روح المؤسسة، والفصيل على الوطن.
من هنا تأتي الدعوة إلى الانتقال من منطق الأشخاص إلى منطق المؤسسات، ومن منطق الغلبة إلى منطق الشراكة، ومن منطق الفصيل إلى منطق الوطن.
ففلسطين أكبر من فتح، وأكبر من حماس، وأكبر من كل الفصائل والأشخاص.
الدم الفلسطيني ليس وسيلة لحسم الخلاف
من أخطر ما تحذر منه هذه الرؤية تحويل الخلاف السياسي الفلسطيني إلى صراع مسلح فلسطيني ـ فلسطيني.
فالدم الفلسطيني لا يجوز أن يكون أداة لحسم الخلاف على السلطة.
لقد دفعت فلسطين ثمناً باهظاً للانقسام، ولذلك فإن المرحلة الجديدة يجب أن تقوم على قاعدة واضحة:
لا غالب ولا مغلوب في فلسطين، بل وطن يتسع للجميع.
ومن هنا تصبح المصالحة ليست اتفاقاً بين قيادات، وإنما إعادة بناء للثقة بين الفلسطيني والفلسطيني.
إعمار غزة... إعمار الوطن والشراكة
إن إعمار غزة لا ينبغي أن يُفهم باعتباره إعادة بناء الحجر فقط.
فغزة تحتاج إلى إعمار المدن والمستشفيات والمدارس والبنية التحتية، لكنها تحتاج قبل ذلك إلى إعمار الشراكة الوطنية.
فالمرحلة التي تلي الحرب تفرض التوافق على إدارة "اليوم التالي" في غزة، والانتقال من الصراع على السلطة إلى المشاركة في بناء السلطة.
وهذا تحول جوهري:
بدلاً من أن يتنافس الفلسطينيون على من يحكم غزة، عليهم أن يتفقوا على كيفية إعادة بناء غزة.
وبدلاً من أن يكون السؤال: من يمتلك السلطة؟ يصبح السؤال:
كيف نبني سلطة يشارك فيها الجميع ويخضع الجميع لقانونها؟
نحو سلطة وطنية تقوم على الشراكة
السلطة الفلسطينية في صورتها الجديدة يجب ألا تكون سلطة فصيل على بقية الفصائل، ولا سلطة شخص على المؤسسة.
إنها بحاجة إلى إعادة تأسيس تقوم على:
الشراكة الوطنية.
سيادة القانون.
استقلال المؤسسات.
المحاسبة.
حماية الحريات والحقوق.
المشاركة الشعبية.
احترام التعددية السياسية.
إشراك الكفاءات الوطنية.
تمكين المرأة.
إعطاء الشباب دوراً حقيقياً في صنع القرار.
فتح المجال أمام المستقلين وأصحاب الخبرات.
وبذلك تصبح المؤسسة هي الحامية للوطن، لا الأداة التي يحتمي بها الأشخاص.
العقد الاجتماعي الفلسطيني الجديد
في العمق الفلسفي، يتجاوز هذا الطرح فكرة المصالحة السياسية إلى الدعوة إلى عقد اجتماعي فلسطيني وطني جديد.
عقد يحمي الحقوق، ويصون الحريات، ويضمن المحاسبة، ويمنع احتكار القرار، ويجعل المؤسسة فوق الأشخاص.
وهنا يصبح الوطن هو المرجعية العليا.
ليس المطلوب أن نتفق على كل شيء، وإنما أن نتفق على القواعد التي تمنع اختلافنا من تدمير وطننا.
إن العقد الاجتماعي الفلسطيني المنشود يجب أن يجعل:
فلسطين فوق الجميع، وقبل الجميع، وأكبر من الجميع.
دحلان كمصلح وطني؟
ومن هذه الزاوية يمكن فهم التشبيه الذي يضع دحلان في سياق المفكرين الإصلاحيين الكبار، مثل مونتسكيو وروسو وفولتير.
ليس المقصود بالطبع مساواة التجارب أو المقامات الفكرية، وإنما الإشارة إلى فكرة الإصلاح: الانتقال من حكم الشخص إلى حكم القانون، ومن الاستبداد بالقرار إلى المؤسسة، ومن الصراع إلى العقد الاجتماعي.
وهذه هي النقطة الأكثر فلسفية في الطرح:
المؤسسة يجب أن تكون أكبر من الشخص، والوطن يجب أن يكون أكبر من المؤسسة، وفلسطين يجب أن تكون أكبر من الجميع.
فالأشخاص يرحلون، والمؤسسات تتغير، والحكومات تسقط، والفصائل تتبدل، لكن الوطن يبقى.
ياسر عرفات... المثال الفلسطيني
ولعل ياسر عرفات هو المثال الأكثر وضوحاً على هذه الحقيقة.
لقد رحل ياسر عرفات، لكنه لم يأخذ فلسطين معه.
ذهب الرجل وبقي الوطن.
ذهب القائد وبقيت القضية.
ذهب الجسد وبقيت فلسطين في الذاكرة والوجدان والتاريخ.
وهنا يمكن أن نستعيد المعنى العميق:
فلسطين باقية ما بقي الزيت والزعتر، وما بقي الفلسطيني متمسكاً بأرضه وذاكرته وهويته.
ولهذا فإن الوفاء لياسر عرفات لا يكون بتحويل اسمه إلى أداة للصراع، وإنما بالحفاظ على فلسطين التي عاش ومات من أجلها.
فلسطين أم الجميع
فلسطين ليست ملكاً لفصيل، ولا لعائلة، ولا لشخص، ولا لجيل.
فلسطين أم الجميع.
نحن الذين يجب أن نعمل من أجلها، وأن نعود إليها، وأن نعيد بناءها، وأن نستعيد ثقتها بنا.
والأهم أن نفتح أمام الأجيال القادمة طريقاً إلى فلسطين آمنة، حرة، موحدة، قادرة على أن تمنح أبناءها الأمن والكرامة والأمل.
وهنا تتحول الوطنية من خطاب إلى مسؤولية.
نحو مرحلة فلسطينية جديدة
إن قيمة الطرح الدحلاني، كما أقرأه، لا تكمن فقط في الأسماء أو في توزيع المناصب، وإنما في محاولة نقل النقاش الفلسطيني من سؤال:
من يحكم؟
إلى سؤال أكثر عمقاً:
كيف نحكم؟ ولمن نحكم؟ وبأي مؤسسات؟ وبأي عقد وطني؟
وهذا هو الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة.
فإذا كانت فلسطين تقف على أعتاب انتقال تاريخي، فإن المطلوب ليس إعادة إنتاج الماضي، وإنما بناء نظام سياسي جديد يستفيد من دروس الماضي دون أن يبقى أسيراً له.
نحتاج إلى فتح تتسع للجميع، ومنظمة تحرير تستعيد دورها الوطني، وسلطة تقوم على القانون والشراكة، ومؤسسات تخضع للمحاسبة، وقيادة تفتح المجال أمام الشباب والمرأة والكفاءات والمستقلين.
نحتاج إلى نظام سياسي لا يخاف من التعددية، بل يحميها؛ ولا يخاف من النقد، بل يستفيد منه؛ ولا يخاف من تداول القيادة، بل يعتبره شرطاً لحياة المؤسسة.
كلمة إلى أبو فادي
شكراً لك أخي أبو فادي على هذه الرؤية التي تضع فلسطين قبل الأشخاص، والوطن قبل الفصيل، والمؤسسة قبل الفرد، والشراكة قبل الغلبة.
إنها رؤية تأتي في لحظة دقيقة من تاريخ شعبنا، لحظة نقف فيها على أعتاب مرحلة جديدة، تحتاج إلى عقول قادرة على تجاوز الماضي، وإلى إرادة سياسية تحمي الدم الفلسطيني، وتصون الوحدة، وتعيد بناء الثقة.
وقد يكون لك في هذه المرحلة دور مهم، بل حصة كبيرة، إذا استطاعت رؤيتك أن تتحول من خطاب سياسي إلى مشروع وطني جامع.
لكن التاريخ لا يمنح الشرعية للأفراد وحدهم؛ بل يمنحها لمن يستطيع أن يجعل من نفسه جزءاً من مشروع أكبر منه.
وهذا هو الاختبار:
هل يستطيع أبو فادي أن يكون جزءاً من مشروع فلسطين، لا أن تصبح فلسطين جزءاً من مشروع أبي فادي؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن المعادلة تتغير.
لأن فلسطين، في النهاية، ستبقى.
يذهب الجميع، وتبقى فلسطين.
يذهب القادة، وتبقى القضية.
تتغير الفصائل، وتبقى الأرض.
تسقط الحكومات، ويبقى الوطن.
وكما رحل ياسر عرفات وبقيت فلسطين، فإن كل من يأتي بعده يجب أن يعرف الحقيقة ذاتها:
فلسطين هي الخالدة، فلسطين هي الباقية، فلسطين هي الأزل والأبد.
فلسطين فوق الجميع، قبل الجميع، وأكبر من الجميع.