كسر التكتلات: الخطوة الكبرى التي ستغيّر السياسة في إسرائيل
نشر بتاريخ: 2026/09/13 (آخر تحديث: 2026/09/13 الساعة: 18:21)

• وصلتني معلومة ثمينة في آب/أغسطس 2016: التقى رئيس المعارضة يتسحاق هرتسوغ رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو سراً في ﭭـيلّا خاصة في قيسارية. لم يكن ذلك الاجتماع اعتيادياً لتبادل المعلومات، بل كان جزءاً من اتصالات حساسة لضم هرتسوغ إلى الحكومة.

• أثار نشر الخبر عاصفة؛ فزملاء هرتسوغ في حزبه هاجموه بشدة بسبب "التسلل المهين" إلى الحكومة، بينما نفى هرتسوغ بشدة وجود مثل هذه الاتصالات. لم تنضج الخطوة، ولم يدخل هرتسوغ الحكومة، لكن بالنسبة إلى نتنياهو، فإن مجرد عقد الاجتماع حقق هدفاً مهماً، إذ أرسل إشارة إلى شركائه في الائتلاف بأن لديهم بديلاً. وكانت الرسالة لحزب "البيت اليهودي"، ولأفيغدور ليبرمان، بسيطة: إذا بالغتُم في الابتزاز، فستجدون أنفسكم خارج الحكومة؛ اليوم، يبدو هذا كأنه ضرب من الخيال العلمي.

• إن أول ما أتمناه لإسرائيل في سنة 5787 العودة إلى سنة 2016، لكن ليس إلى سياسات تلك الولاية، وبالتأكيد ليس إلى بداية إغماض العينين عن تعاظُم قوة "حماس"، بل إلى السياسة التي يستطيع فيها رئيس الحكومة أن يلعب في الملعب بأكمله.

كسر التكتلات

• تنافست الأحزاب الإسرائيلية فيما بينها بشدة، على مدى أعوام، لكن إمكانات التعاون كانت دائماً مطروحة في الخلفية. كان رئيس الحكومة يستطيع التفاوض حتى مع مَن خاض الانتخابات ضده؛ نتنياهو، إيهود باراك، أريئيل شارون وإيهود أولمرت، كانوا جميعاً خصوماً سياسيين، لكنهم في الوقت نفسه، كانوا شركاء محتمَلين؛ جلس الحريديم مع اليسار، وكان نتنياهو يفضّل أحياناً الوسط على اليمين، وبشكل عام، كان كلّ شيء مفتوحاً أمام الاحتمالات.

• اختفى هذا الواقع، إذ عمّقت شبكات التواصل الاجتماعي الاستقطاب، وأصبحت الهويات السياسية قبليةً أكثر، بينما حوّلت محاكمة نتنياهو، على مدى أعوام، سؤال "فقط بيبي"، أو "فقط ليس بيبي"، إلى المحور الذي انتظم حوله النظام السياسي بأكمله. وكانت النتيجة سياسة تقوم على تكتلات شبه مغلقة، وعندما لا يجد الشريك الائتلافي بديلاً، فيمكن أن يتحول حزب صغير إلى صاحب حق الڤيتو؛ فإذا كان رئيس الحكومة يعلم أنه لا يوجد شركاء آخرين له يمكن الاعتماد عليهم، فإن الشركاء هم الذين يديرون الأمور. وهكذا وصلنا إلى واقع حصل فيه الحريديم وإيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش على قوة هائلة، مقارنةً بحجمهم، وتمكنوا من وضع خطوط حمراء على القضايا الأكثر حساسيةً في الدولة. وحتى عندما دخل بني غانتس إلى الحكومة، فإنه لم يخلق بديلاً حقيقياً من الشركاء الطبيعيين. وظل البناء القائم على التكتلات على ما هو عليه؛ يجب على إسرائيل أن تخرج من هذا الفخ.

• يجب أن يمتلك الحزب الحاكم في الحكومة المقبلة مفاتيح القوة الرئيسية؛ فمَن حصل من الجمهور على المسؤولية عن قيادة الدولة، يجب أن يحصل أيضاً على الأدوات اللازمة للقيام بذلك؛ فالشراكات الائتلافية جزء مهم من الديمقراطية، لكنها لا تستطيع إدارة الحكومة بالتهديد الدائم بتفكيكها.

• حالياً، تشير كلّ الدلائل إلى احتمال حدوث جمود سياسي جديد، ومأزق آخر. ربما لن يحصل أيّ طرف، مرةً أُخرى، على أغلبية واضحة. وفي نهاية المطاف، ربما تؤلَّف حكومة، لكن إذا بُنيت، مرةً أُخرى، على المقاطعة المطلقة والاعتماد على شركاء لا بديل منهم، فسنحصل على حكومة هشة أُخرى تنهار بعد فترة قصيرة، أو على حكومة متطرفة ومثيرة للجدل.

• يجب أن تكون المهمة الأولى للسياسة الإسرائيلية في السنة الجديدة هي كسر التكتلات، وإعادة الشرعية إلى التوافقات، والمفاوضات، والحكومات الواسعة؛ فالخصم السياسي ليس عدواً دائماً، والتعاون من أجل الدولة ليس خيانة للمعسكر، إذا كان البديل جولة أُخرى مدمِّرة من الانتخابات.

التحقيق في "المجزرة"

• إن المهمة الثانية أساسية أكثر: التحقيق فيما حدث في 7 أكتوبر؛ فبعد ثلاثة أعوام على "المجزرة"، لا تستطيع دولة إسرائيل أن تواصل تجاهُل أكبر فشل في تاريخها؛ الدولة التي ترسل أبناءها إلى الجيش يجب أن تكون قادرة على النظر في عيون الأهالي والتعهد لهم بأنه عندما تقع كارثة بهذا الحجم، سيتم فحصها حتى الجذور؛ ليس المطلوب فحص ما حدث في الليلة التي سبقت الهجوم فقط؛ بل فحص الصورة بأكملها – التصوُّر السياسي والأمني الذي بُنيَ على مدى أعوام، والاستخبارات، وبناء القوة، والاستعداد على الحدود، وتقسيم المسؤوليات بين المستويَين السياسي والعسكري، وعمليات اتخاذ القرارات، والساعات الرهيبة التي انتظر فيها المواطنون الدولة، لكنها لم تصل.

• إن التحقيق ليس انتقاماً، وليس أداةً لإسقاط الحكومة، ولا محاكمة ميدانية للقادة، إنه آلية أساسية لدولةٍ تريد أن تتعلم وتضمن ألّا يتكرر الفشل. ومن دون فحص خارجي ومستقل يتمتع بالصلاحيات، لا توجد أيضاً طريقة حقيقية لمعرفة ما إذا كانت التصورات التي قادت إلى 7 أكتوبر تغيّرت فعلاً.

• إن غياب التحقيق له ثمن إضافي؛ إذ تدخل نظريات المؤامرة في الفراغ الذي لا تقدم فيه الدولة إجابات؛ لقد رأيناها مجدداً هذا الأسبوع، وكلما مرّ الوقت، كلما أصبحت أكثر خطورةً وتعقيداً، وطريقة مواجهتها ليست تغريدة أُخرى أو نفياً آخر، بل بالحقائق.

• لا يجب أن يكون تشكيل لجنة تحقيق رسمية انتصاراً لمعسكر على آخر، بل يجب أن تكون انتصاراً للدولة على فشلها هي نفسها.

المساواة في تحمّل العبء

• المهمة الثالثة هي إعادة بناء العقد الإسرائيلي بشأن مسألة الخدمة العسكرية؛ فطوال أعوام، كانت قضية التجنيد مجرد بند آخر في المفاوضات الائتلافية، لكن بعد 7 أكتوبر، لم يعُد في الإمكان أن تكون كذلك. تحتاج إسرائيل إلى مزيد من الجنود؛ قوات الاحتياط مستنزَفة والعائلات تدفع ثمناً هائلاً. والشباب يوقفون دراستهم ومسيرتهم المهنية وحياتهم الشخصية من أجل الخروج، مراراً وتكراراً، إلى مئات الأيام من الخدمة في الاحتياط. لا يمكن مطالبتهم بمواصلة تحمّل العبء، وفي الوقت نفسه، تكريس إعفاء شامل بالقانون لفئة كاملة من السكان.

• لا يجب أن تكون هذه الحرب ضد الحريديم، بل بالعكس، يمكن أن تكون فرصة تاريخية لدمجهم في المجتمع الإسرائيلي من دون مطالبتهم بالتخلّي عن هويتهم. ويجب تطبيق المبدأ نفسه أيضاً على المجتمع العربي. ليس المطلوب من الجميع أن يخدموا في المكان نفسه، وليس على الجميع ارتداء الزي العسكري: خدمة عسكرية لمن يستطيع ومناسب لذلك، وخدمة أمنية، أو مدنية، أو وطنية، للآخرين، لكن يجب أن يكون المبدأ واحداً؛ فإلى جانب الحقوق التي تمنحها المواطَنة، توجد أيضاً مسؤولية تجاه الدولة والمجتمع.

• لن يحدث هذا في يوم واحد؛ هناك حاجة إلى أهداف تدريجية ومسارات ملائمة وحوافز، وكذلك عقوبات، لكن يجب البدء بالتحرك.

• سيتعين على الأحزاب الحريدية والأحزاب العربية، التي ترغب في أن تكون شريكة في الحكومة المقبلة، أن تدرك أن قواعد اللعبة تغيّرت هنا أيضاً. بعد 7 أكتوبر، هناك فرصة تاريخية لبناء شراكة إسرائيلية جديدة، وإذا أضعنا هذه الفرصة أيضاً، فمن المشكوك فيه أن تسنح فرصة مماثلة مرةً أُخرى.

تحديد قواعد اللعبة

• تحوم فوق هذا كله مسألة أعمق: ما هي أصلاً قواعد لعبة الديمقراطية الإسرائيلية؟ على مدى عقود، نجحت إسرائيل في إدارة شؤونها من دون دستور كامل؛ كان هناك قوانين أساس، وأعراف، وتوازنات، وكثير جداً من الأمور التي "لا تُفعل". وطالما كان هناك قدر كافٍ من الثقة بين المعسكرات، كان النظام يستطيع الصمود؛ لقد كُسرت هذه الثقة.

• كشفت الأزمة الدستورية في الأعوام الأخيرة مشكلة أعمق من الخلاف بشأن الإصلاح القضائي؛ ببساطة، نحن لا نتفق على حدود السلطة، فما الذي يحق لأغلبية من 61 عضواً في الكنيست أن تفعله؟ ما هو قانون الأساس، ومَن يحق له تغييره؟ متى يجوز للمحكمة إلغاء قانون؟ هل يستطيع الكنيست تجاوُز قرار الإلغاء، وبأيّ أغلبية؟ كيف يتم تعيين القضاة؟ وما هي القواعد التي لا يجوز للائتلاف تغييرها لمجرد أن لديه أغلبية في الوقت الحالي؟

• لا تستطيع الدولة أن تدير خلافاً وجودياً بشأن هذه الأسئلة كلّ مرة تتغيّر فيها الحكومة؛ لذلك يجب على الحكومة المقبلة أن تضع هدفاً وطنياً:

دستور مختصر لإسرائيل

• ليس المطلوب مئات البنود التي تحاول حلّ كلّ خلاف بين اليمين واليسار، وبين المتدينين والعلمانيين، وبين اليهود والعرب، بل وثيقة محدودة تحدد قواعد اللعبة الأساسية: طبيعة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية، والحقوق الأساسية، وصلاحيات السلطات، وفصل السلطات، واستقلال الجهاز القضائي، وآليات التوازن والرقابة، وكذلك قاعدة غير مكتوبة، وهي أن قوانين الأساس ليست شيئاً يتم تغييره كلّ يومين وخميس.

• يجب أن يكون في صميم ذلك قانون أساس: التشريع؛ فبعد ما يقارب الثمانية عقود، حان الوقت لتحديد ما هو قانون الأساس، وما الأغلبية المطلوبة لسنّه وتغييره، ومتى، وبأيّ أغلبية تستطيع المحكمة العليا إلغاء قانون، وما إذا كان هناك شروط يستطيع الكنيست بموجبها تجاوُز قرار الإلغاء. يجب أن تكون الأرقام المطلوبة لإقرار مثل هذه القوانين مرتفعة للغاية؛ فالدولة المنقسمة، مثل إسرائيل، تحتاج إلى أن تُدار على أساس توافُق واسع جداً.

• لكن الأمر الأساسي، ليس فقط ما سيُكتب، بل أيضاً كيف سيُكتب؛ فالترتيب الذي يُفترض أن يصمد عقوداً، يجب أن يستند إلى توافُق واسع بين الائتلاف والمعارضة.

عام إعادة التشغيل

• بعد ثلاثة أعوام على ما حدث في 7 أكتوبر، لا تحتاج إسرائيل إلى سنة أُخرى من إدارة الأزمة، بل إلى سنة إعادة تشغيل؛ فالتحقيق بشجاعة فيما حدث لنا، وإعادة بناء عقد المساواة في تحمّل العبء، والتوصل أخيراً إلى اتفاق بشأن قواعد اللعبة الديمقراطية، وفوق كل شيء، كسر التكتلات التي جعلت كلّ تسوية تبدو كأنها خيانة، وكل شريك ائتلافي كصاحب حق نقض.

• تحتاج إسرائيل إلى حكومة قوية بما يكفي للحكم، وإلى منظومة قوية بما يكفي لتقييدها، وإلى حزب حاكم قادر على القيادة، ومعارضة تكون خصماً، وليس عدواً، وإلى دولة يهودية وديمقراطية تعرف كيف تحمي هويتها، وكذلك حقوق مواطنيها، وإلى مجتمع تكون فيه المساهمة في الدولة مرتبطة أيضاً بالاستعداد لتحمّل المسؤولية تجاهها.

• لسنا بحاجة إلى العودة إلى سنة 2016، بل إلى المضيّ قدماً، فما نحتاج إلى استعادته هو شيء واحد فقدناه منذ ذلك الحين: القدرة على اللعب في الملعب بأكمله، والفهم أن الحكم ليس أبدياً.

• مَن سيفوز، سيتعين عليه أن يتعامل باحترام مع الخاسر، وأن يتذكر أن عجلة الزمن ربما تنقلب مرةً أُخرى.