أسئلة حول الدور القطري
نشر بتاريخ: 2026/09/15 (آخر تحديث: 2026/09/15 الساعة: 10:27)

في الأزمات العميقة تزدحم الأسئلة وتذهب إلى الداخل والخارج بحثاً عن إجابات، لماذا وصلنا إلى ما نحن عليه من أزمات متراكمة تحولت إلى مأزق يصعب الخروج منه ببساطة. تشير الأحداث وتحولاتها إلى أنه بانتظار الشعب الفلسطيني سنوات من المعاناة والعذاب والمصير المجهول. وهو يستطيع اختصار الوقت إذا ما فكر بطريقة مختلفة وشق طريقه إلى الخلاص من الاحتلال، وما أحوجه إلى وقفة صريحة مع الذات ومع الأشقاء والأصدقاء ليتعرف على عناصر ضعفه وعلى أخطائه الكبيرة والصغيرة، وليتعرف على عناصر قوتهم. وأن يتجاوزوا اعتبار عدوهم سبباً وحيداً في صنع مأساتهم، وألا يبقوا في موقع الضحية التي لا ترى إلا الجلاد. فثمة فرق بين ضحية لا ترى غير جلادها فتتوحد لا شعورياً معه وتعيد إنتاجه.

في هذا المقال سأتحدث عن الدور القطري وتأثيراته في الشأن الفلسطيني، والبصمات التي تركها في علاقات القوى الفلسطينية وانعكاسها على المؤسسة الفلسطينية، والمشروع الوطني وحق تقرير المصير قبل وبعد 7 أكتوبر.

بحسب الخطاب السياسي والإعلامي القطري، الذي يبث على مدار الساعة من فضائية الجزيرة، تبدو دولة قطر في عداد الدول المناهضة لإسرائيل وسياسة الاضطهاد والقتل والقمع والتمييز والاستيطان التي تمارسها إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وتروّج لحملات مناهضة لإسرائيل في مجالات الثقافة والفن، وتقدم موقفاً منحازاً للمقاومة المسلحة ضد الاحتلال، وتحتضن التنظيمات المسلحة، وتدعمها مالياً وسياسياً، وتدعم أيضاً كل المراكز والتنظيمات والنخب الفلسطينية التي ترفض الحل السياسي الدولي للصراع وتحتل حيزاً في موقع المعارضة للسلطة ومنظمة التحرير. ولا يفوت القول: إن السياسة القطرية منحازة أو مؤيدة للديمقراطية وحرية التعبير وضد القمع في بعض البلدان. بناء على ما تقدم فإن قطر تندرج في خانة «الدول الثورية» المناهضة لأميركا وإسرائيل وفي خانة الدول الديمقراطية والليبرالية.

غير أن للنظام القطري أدواراً ومواقع مضادة؛ فهو يستضيف أهم القواعد العسكرية الأميركية في منطقة الخليج التي لعبت دوراً في احتلال العراق عام 2003، ويوجد «تعاون استخباراتي وعسكري رسمي بين قطر وإسرائيل ما زال قائماً»، ولقطر أموال مستثمرة في إسرائيل، ومكتب تجاري إسرائيلي معلن ثم تحوّل إلى غير منظور، ولقطر أموال مستثمرة في صندوق كوشنر وويتكوف وغيرهم، ومتهمة بتقديم رواتب لثلاثة مسؤولين في مكتب نتنياهو. عندما نحاول الدخول في جوهر السياسة، سنجد توافقاً بين سياسة قطر وسياسة نتنياهو وحكومته ومعسكره. يقول آفي يسخاروف في «يديعوت»: نتنياهو يحاول بقوة إخفاء كل ما حدث بين إسرائيل و»حماس» في الأسابيع والأشهر والسنوات التي سبقت 7 أكتوبر. نتنياهو هو أبو الفكرة التي رسّخت مكانة «حماس» كسلطة حاكمة في غزة.

كان نتنياهو ورجاله هم من سعوا بكل قوتهم لتحويل الأموال نقداً إلى «حماس»، وإضفاء الطابع المؤسسي على التواصل المباشر وغير المباشر معها، وتحويل قطر إلى ما يشبه مالك الأرض في غزة، وحتى عندما علموا أن الأموال القطرية تذهب مباشرة إلى الجناح العسكري، فضلوا الاستمرار في ضخ 360 مليون دولار سنوياً إلى خزائنها، ويضيف يسخاروف: هذا هو الرجل الذي رفض مراراً وتكراراً مطالب جهاز الأمن العام (الشاباك) باغتيال السنوار واستهداف شخصيات بارزة في التنظيم. لكن نتنياهو رفض، وأجل، وتهرب، واكتفى بأن يكون التوجيه الرئيس بشأن غزة خلال فترة الأعياد اليهودية الكبرى لعام 2023 هو التزام الصمت. يتفق عدد من كبار المسؤولين الإسرائيليين السياسيين والأمنيين والإعلاميين أمثال يوسي بيلين وأولمرت وأيهود باراك وشلومو بن عامي وغيرهم أن نتنياهو اتبع سياسة تقوية «حماس» وإضعاف السلطة الوطنية لدفن أي شيء له علاقة بالحل السياسي. تقول الفيلسوفة الألمانية الإسرائيلية سوزان نيمان: إن من أراد منع حل الدولتين يحتاج إلى «حماس» ويسمح بزيادة قوتها وبإضعاف م.ت.ف. وقد بذلت حكومة نتنياهو قصارى جهدها طيلة سنوات لجعل حل الدولتين مستحيلاً، ولتشويه الإسرائيليين الذين يريدون السلام.

إذا كان نتنياهو قد عارض أوسلو على خلفية إنكار الحقوق الفلسطينية المعرّفة في القانون الدولي، حق تقرير المصير وإقامة دولة فلسطينية في الأراضي المحتلة عام 67، ونجح في استصدار قرار من الكنيست – قانون القومية - يؤكد الحق الحصري لليهود في أرض «إسرائيل التوراتية»، فإن «حماس» تعارض الحل لأنها تعتبر أرض فلسطين التاريخية «وقفاً إسلامياً» لا يجوز التفريط بأي شبر منها. وحتى عندما وافقت على إقامة دولة فلسطينية في وثيقة 2017 أكدت في بنودها الأخرى تحرير كامل الأراضي الفلسطينية. التقى الطرفان عند نقطة إفشال الحل لأن فيه تفريط بجزء من الأرض، والتقيا من موقع اعتماد كل منهما على أيديولوجيا خلاصية متناقضة مع الأخرى وعلى الحل الديني «المستحيل» للصراع. من أجل ذلك سعى كل قطب إلى تديين الصراع على نحو يجعل حله مستحيلاً. وحاربا معاً الاعتدال والعقلانية، اعتمدت إسرائيل الكهانية على الحل الفاشي الاستيطاني للقضية الفلسطينية، واعتمدت «حماس» المقاومة المسلحة أسلوباً لحسم الصراع والاعتقاد أن المقاومة المسلحة ستهزم إسرائيل. وكان من نتائج ذلك تأييد ثلاثة أرباع المجتمع الفلسطيني هجوم 7 أكتوبر، وأيّد أكثر من 80% من الإسرائيليين حرب الإبادة وتهجير الشعب الفلسطيني عن أرضه ووطنه. اتبعت حكومة نتنياهو سياسة تقويض مقومات الحل على الأرض، وكان العنصر الأهم في التقويض فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية بالتزامن مع دعم وتقوية «حماس» في قطاع غزة.

عندما انسحبت إسرائيل من قطاع غزة، كان ميزان القوى مختلاً لصالح حركة «حماس» التي تسلحت عبر الأنفاق. وهنا يبرز الدور القطري في دعم ثقافة وفكر الإسلام السياسي – الإخوان المسلمين – وقد لعبت قناة الجزيرة دوراً مهماً في بناء رأي عام بفكر وثقافة الإخوان التي تمجد المقاومة المسلحة. وفي تمجيد العنف بما في ذلك العنف الذي يستهدف المدنيين. أكبر دليل على ذلك الفتوى الدينية الصادرة عن الشيخ القرضاوي من الدوحة، وعبر فضائية الجزيرة، التي تجيز عمليات التفجير في التجمعات المدنية الإسرائيلية تحت مبرر «خلق توازن للرعب»، ولم تحرك الإدارة الأميركية ولا الحكومة الإسرائيلية ساكناً، ولم تعترضا على استهداف حياة اليهود في المكان الذي وجد لحمايتهم. وكان الرد الإسرائيلي على موجات «العمليات الاستشهادية» إعادة احتلال مدن وبلدات الضفة الغربية، واغتيال ياسر عرفات، وفرض وصاية على السلطة، وضم 10% من أراضي الضفة خلف جدار الفصل العنصري الذي أقيم بذريعة حماية المدنيين الإسرائيليين.. وللكلام بقية.