109 أعوام على وعد بلفور.. قرار بريطاني فتح أبواب النكبة الفلسطينية
نشر بتاريخ: 2026/11/02 (آخر تحديث: 2026/11/02 الساعة: 12:07)

في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر من عام 1917، أصدرت الحكومة البريطانية ما عُرف بـ«وعد بلفور»، الذي شكّل محطة مفصلية في تاريخ القضية الفلسطينية، بعدما تعهّدت بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، في خطوة منحت المشروع الصهيوني غطاءً سياسياً دولياً، ومهّدت الطريق أمام سلسلة من التحولات التي انتهت باقتلاع مئات الآلاف من الفلسطينيين من أرضهم خلال نكبة عام 1948.

وبعد مرور 109 أعوام على صدور ذلك الوعد، لا تزال ذكراه حاضرة في الوجدان الفلسطيني باعتباره أحد أبرز العناوين التاريخية للظلم الذي تعرض له الشعب الفلسطيني، حين قررت قوة استعمارية مصير أرض لا تملكها، وقدّمت تعهداً بشأن مستقبلها دون الرجوع إلى أصحابها الأصليين أو الحصول على موافقتهم.

رسالة بلفور.. تعهد بريطاني على حساب أصحاب الأرض

وجاء الوعد في رسالة وجّهها وزير الخارجية البريطاني آنذاك آرثر جيمس بلفور، في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر 1917، إلى اللورد ليونيل والتر روتشيلد، أحد أبرز الشخصيات اليهودية في بريطانيا، أكد فيها أن حكومة بلاده تنظر بعين العطف إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وتعهدت ببذل جهودها لتسهيل تحقيق هذا الهدف.

ورغم أن الرسالة تضمنت إشارة إلى عدم المساس بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، فإنها تجاهلت بصورة واضحة الحقوق السياسية والوطنية للأغلبية الفلسطينية التي كانت تعيش على أرضها، ولم تذكر الفلسطينيين بصفتهم شعباً له حق تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة.

الانتداب البريطاني.. تحويل الوعد إلى سياسة رسمية

ولم يكن الوعد مجرد رسالة دبلوماسية عابرة، بل تحوّل لاحقاً إلى أحد المرتكزات السياسية التي استندت إليها بريطانيا في إدارة فلسطين، بعدما أدرجت مضمونه في صك الانتداب البريطاني الذي أقرته عصبة الأمم عام 1922، ودخل حيز التنفيذ رسمياً عام 1923، ما منح المشروع الصهيوني إطاراً دولياً ساعد على توسيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين وتعزيز المؤسسات المرتبطة به.

وخلال سنوات الانتداب البريطاني، تصاعدت الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ولا سيما خلال ثلاثينيات القرن الماضي، بالتزامن مع تصاعد المعارضة الفلسطينية للسياسات البريطانية ومشاريع الهجرة والاستيطان، وصولاً إلى الثورة الفلسطينية الكبرى بين عامي 1936 و1939، التي شكّلت محطة بارزة في مواجهة الانتداب والمشروع الصهيوني.

نكبة 1948.. الثمن الفلسطيني للوعد

ومع انتهاء الانتداب البريطاني، دخلت فلسطين مرحلة أكثر دموية، إذ شهد عام 1948 نكبة الشعب الفلسطيني، التي رافقتها عمليات تهجير جماعي واسعة، وتدمير مئات القرى والبلدات الفلسطينية، والاستيلاء على الأراضي والممتلكات، ما أدى إلى تشريد مئات الآلاف من الفلسطينيين وتحويلهم إلى لاجئين داخل فلسطين وخارجها، في قضية لا تزال تداعياتها قائمة حتى اليوم.

ولم تتوقف آثار تلك المرحلة عند حدود النكبة، بل امتدت إلى عقود متلاحقة من الاحتلال والاستيطان ومصادرة الأراضي والتهجير، وصولاً إلى احتلال ما تبقى من الأراضي الفلسطينية عام 1967، واستمرار الصراع على الأرض والحقوق والهوية الوطنية الفلسطينية.

مسؤولية تاريخية وحقوق فلسطينية لا تسقط بالتقادم

وتؤكد وثائق الأمم المتحدة أن إدراج وعد بلفور ضمن صك الانتداب البريطاني أسهم في التأثير بصورة جوهرية على مسار القضية الفلسطينية، فيما أعادت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1974 التأكيد على الحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير والاستقلال الوطني والسيادة والعودة.

وبينما تحل الذكرى الـ109 لوعد بلفور، تتجدد الأسئلة بشأن المسؤولية التاريخية والسياسية لبريطانيا عن تداعيات القرار الذي أصدرته عام 1917، في ظل استمرار معاناة الفلسطينيين من الاحتلال والتهجير والاستيطان، وبقاء ملايين اللاجئين محرومين من العودة إلى ديارهم التي هُجّروا منها.

وبعد أكثر من قرن على ذلك التعهد، لا تزال القضية الفلسطينية شاهداً على أن القرارات السياسية التي تُتخذ على حساب الشعوب لا تنهي حقوقها، وأن مرور الزمن لا يحوّل التهجير إلى حق، ولا يلغي ارتباط الفلسطينيين بأرضهم، أو حقهم في الحرية وتقرير المصير وإقامة دولتهم المستقلة.