في الفلسفة القانونية التي نشأت عليها العدالة الدولية بعد الحرب العالمية الثانية لم يكن الهدف من إنشاء المحاكم الدولية مجرد إنتاج أحكام قانونية باردة....
بل خلق منظومة ردع أخلاقية وقانونية
تحول دون تكرار الجرائم
التي هزت ضمير الإنسانية
ولهذا لم تُصنف جريمة الإبادة الجماعية باعتبارها جريمة عادية ضمن قائمة الجرائم الدولية
بل اعتُبرت الجريمة
الأشد خطورة على الإطلاق
الجريمة التي لا تستهدف أفراداً بعينهم
بل تستهدف وجود جماعات بشرية بكاملها....!!؟؟!!
ولهذا جاءت اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها سنة 1948 محمولة على فلسفة قانونية واضحة مفادها أن الوقاية
لا تقل أهمية عن العقاب
وأن سرعة التدخل
لا تقل أهمية عن إصدار الأحكام
فجوهر العدالة في مثل هذه الجرائم لا يكمن فقط في الحكم النهائي
بل في قدرة القانون على منع استمرار الأذى
ومنع ترسيخ الوقائع بالقوة
ومن هنا يصبح الزمن عنصراً جوهرياً في العدالة لا مجرد تفصيل إجرائي....!!؟؟!!
لأن العدالة المتأخرة في الجرائم الدولية الكبرى لا تعني فقط تأخر الحكم
بل قد تعني
تحول الوقائع إلى حقائق سياسية يصعب تغييرها
ولهذا يثور السؤال
اليوم بقوة بعد قرار محكمة العدل الدولية تمديد المسار الإجرائي للدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل حتى عام 2029
ليس حول حق المحكمة في تنظيم إجراءاتها
بل
حول حدود هذا التنظيم عندما يصبح الزمن نفسه جزءاً من النزاع......
وحين تتحول المهل الإجرائية
من أداة لخدمة العدالة إلى عبء على العدالة ذاتها
وبداية ينبغي هدم الرواية المضللة التي جرى تداولها خلال الأيام الماضية
فجنوب أفريقيا...
لم تسحب الدعوى
ولم تجمدها
ولم تتراجع عنها
ولم تعلقها
بل إن الملف ما زال قائماً قانونياً أمام المحكمة
وما صدر لا يتعلق بإرادة الدولة المدعية بل بجدول إجرائي أقرته محكمة العدل الدولية نفسها يمتد عملياً حتى عام 2029.....
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية
لأن السؤال لم يعد متعلقاً بموقف جنوب أفريقيا
بل بموقف المحكمة
وبالرسالة القانونية والأخلاقية التي يحملها هذا الجدول الزمني الطويل.....!!؟؟!!
فالعدالة الدولية لا تُقاس فقط بسلامة النصوص
بل أيضاً بقدرتها على تحقيق الحماية القانونية الفعالة
وهذا مبدأ مستقر في الفكر القانوني الحديث
إذ إن الحق الذي يتعذر الوصول إليه في الوقت المناسب يفقد جزءاً من قيمته القانونية والأخلاقية...
وفي القضايا المتعلقة بالإبادة الجماعية
تحديداً تصبح السرعة جزءاً من العدالة نفسها
لأن الخطر الذي تسعى الاتفاقية إلى منعه
ليس خطراً تاريخياً
وقع وانتهى
بل خطراً مستمراً يتعلق بحماية الشعب الفلسطيني من الأفعال التي قد تهدد وجودها والتي ترتكبها العصابات الصهيونية بمنهجية إبادة جماعية وتطهير عرقي ....
ومن هنا تبدو المفارقة مقلقة
ففي الوقت الذي تقوم فيه فلسفة اتفاقية الإبادة الجماعية على مبدأ المنع والوقاية
يتجه المسار الإجرائي نحو
إطالة زمن التقاضي
بصورة تجعل الوقائع أسرع من المحكمة نفسها
وكأن القانون
يركض خلف الأحداث بينما يفترض به أن يسبقها
التساؤل الاكثر اثارة
أن المحكمة تمتلك سوابق في اعتماد تدابير مؤقتة عاجلة عندما ترى أن هناك خطراً وشيكاً
أو احتمالاً لوقوع ضرر لا يمكن إصلاحه
فإذا كان عنصر الاستعجال قائماً إلى الحد الذي يبرر إصدار تدابير مؤقتة
فكيف يغيب عنصر الاستعجال
عندما يتعلق الأمر بالوصول إلى جوهر النزاع.....!!؟؟!!
هنا تظهر الفجوة بين منطق الحماية ومنطق الإجراءات
بين فلسفة العدالة وفلسفة البيروقراطية
وبين النص وروحه....
إن المدافعين عن الجدول الإجرائي الجديد سيقولون إن المحكمة تطبق قواعدها المعتادة وإن القضايا الدولية بطبيعتها معقدة وتحتاج إلى سنوات
وهذا صحيح جزئياً....!!؟؟!!.
لكن الصحيح أيضاً
أن القضية المطروحة
ليست نزاعاً حدودياً حول خط بحري
ولا خلافاً تجارياً بين دولتين
ولا نزاعاً فنياً حول تفسير معاهدة اقتصادية...
بل دعوى تتعلق بأخطر جريمة عرفها القانون الدولي
الجريمة التي وضعتها الإنسانية في قمة هرم المحظورات القانونية....!!؟؟!!
ولهذا فإن إخضاعها للوتيرة الإجرائية ذاتها يطرح إشكالية حقيقية
لأن المساواة الشكلية بين القضايا المختلفة قد تتحول أحياناً إلى ظلم موضوعي....
وفي المشهد الرمزي تبدو المحكمة كإدارة إطفاء وصلت إلى مبنى يشتعل بالنيران
فاعترفت بوجود الحريق
وثبتت وقوع الخطر
وأصدرت تعليمات أولية بعدم الاقتراب من اللهب
ثم أعلنت أن التقرير النهائي حول الحريق سيصدر بعد سنوات.....
لأن الإجراءات تستلزم ذلك
إنها صورة تختزل التناقض
بين الإحساس بالخطر وبين بطء الاستجابة له
والأخطر من ذلك
أن الزمن في القضايا الدولية ليس عنصراً محايداً
فالزمن قد يتحول إلى أداة سياسية غير معلنة
وإلى شريك موضوعي في إعادة تشكيل الوقائع
وإلى مساحة مريحة لمن يراهنون
على تآكل الذاكرة وتراجع الاهتمام الإعلامي
وانخفاض مستوى الضغط الدولي....!!؟؟!!
ومن هنا ظهر عبر التاريخ مفهوم الإفلات من العقاب الناعم
وهو ذلك النوع من الإفلات الذي لا يأتي عبر البراءة القانونية
ولا عبر إسقاط التهم
بل عبر إغراق العدالة في الزمن....
حتى تصبح الإجراءات نفسها جزءاً من المشكلة
لا جزءاً من الحل
وهنا لا يكون السؤال هل ستصدر المحكمة حكماً في نهاية المطاف
بل ما القيمة العملية للحكم
عندما يصل بعد أن تكون الوقائع قد أعادت تشكيل نفسها على الأرض
فالعدالة ليست مجرد قرار يصدر في النهاية
بل أثر قانوني يجب أن يكون قادراً على التأثير في الواقع قبل أن يتحول الواقع إلى أمر واقع دائم...!!؟؟!!
لذلك فإن القضية المطروحة اليوم ليست قضية جنوب أفريقيا ولا إسرائيل وحدهما
بل قضية العدالة الدولية نفسها....
وقضية قدرة النظام القانوني الدولي على التوفيق بين الدقة الإجرائية والفعالية القانونية
فإذا تحولت أخطر الجرائم الدولية إلى ملفات تمتد سنوات طويلة تحت عنوان تبادل المذكرات والردود
فإن السؤال المشروع يصبح
هل نحن أمام قضاء يمارس حياده المؤسسي
أم أمام عدالة مثقلة بحسابات السياسة الدولية
هل تعرضت المحكمة للتسييس
أم للضغط
أم للتطويع
ام للتهديد
أم للتوريط داخل شبكة معقدة من التوازنات الدولية التي تجعل الزمن أداة غير معلنة لإدارة الأزمات بدلاً من حسمها...!!؟؟!!
لا أحد يستطيع الجزم
لكن أحداً أيضاً لا يستطيع تجاهل أن العدالة التي تتباطأ أكثر مما ينبغي تفتح الباب واسعاً أمام الشك
وأن الفارق بين التأجيل الإجرائي المشروع
والإفلات من العقاب المقنع قد يصبح أحياناً أضيق مما تتصوره المؤسسات القضائية نفسها...
فالقانون الدولي...
لم يُنشأ ليكون أرشيفاً أنيقاً للمعاناة البشرية
ولم تُبنَ محكمة العدل الدولية لتكون غرفة انتظار كونية للضحايا
بل وُجدت لتكون الحاجز الأخير بين الجريمة وشرعنة نتائجها...!!؟؟!!
وعندما يطول الانتظار إلى الحد الذي يصبح فيه الزمن أقوى من القانون
فإن الخطر لا يتهدد أطراف الدعوى فقط
بل يتهدد الفكرة التي قامت عليها العدالة الدولية
منذ البداية
فقد لا يكون أخطر ما في الإبادة الجماعية هو وقوعها
بل أن يتعلم العالم كيف يتعايش مع انتظار النظر فيها.......!!؟؟!!