الاتفاق الإيراني ـ الأميركي والخسارات الإسرائيلية
نشر بتاريخ: 2026/06/18 (آخر تحديث: 2026/06/18 الساعة: 23:26)

الخسارات الإسرائيلية في الحرب ليست هي الخسارات الإسرائيلية من الاتفاق. الأولى أكبر من الثانية، لكن الثانية أكثر تأثيراً على اللحظة السياسية، وعلى واقع الأزمة الداخلية، وعلى التغيرات المرتقبة حزبياً وسياسياً، وربما اجتماعياً أيضاً، وتحديداً في الحدث الانتخابي القادم في إسرائيل.

صحيح أن الخسارات الثانية هي نتيجة للأولى، لكن تأثيرات الثانية ستكون لها أبعاد حاسمة في تكريس خسارات الحرب الكبرى. الخسارات الكبرى للحرب هي تلك التي تتعلق بأسئلة المكانة والدور، وبقضايا القدرة في الأفق الجيواستراتيجي، حاضراً ومستقبلاً، في حين أن خسارات الاتفاق في سياق آخر، وهو سياق يتعلق بهوامش المناورة وحدود وقيود اللحظة السياسية، ومكبلات الواقع الذي يحد أو يشل القدرة الإسرائيلية على المشاكسة أو الإفشال والتخريب، أو حتى القدرة على إعادة خلط الأوراق، وعلى مناورات التوريط وإعادة التوريط.

كما أن من النتائج المباشرة لهذا الاتفاق، على ما يبدو، أن دولة الاحتلال لم تعد قادرة على الابتزاز المباشر للرئيس ترامب، الذي وصل إلى مرحلة الاختناق، وإلى اللحظة التي يغامر فيها بكل شيء إذا لم يسارع إلى هذا الاتفاق قبل فوات الأوان، بصرف النظر عن الأوراق التي ما زالت بيد اللوبي الصهيوني وجاهزة للاستخدام.

والحقيقة أيضاً أن خسارات الاتفاق ستؤدي دورها لتأكيد خسارات الحرب، إلا أن جدلية هذا التأثر والتأثير ستبقى، إلى حين، مرهونةً بتطورات ما زال جزء جوهري منها في طيّ المستور.

خسرت إسرائيل في هذه الحرب كل ما كانت تظن أنها قد أرسته وحققته على مدى العقود السبعة منذ تأسيسها، فقد خسرت، وإلى الأبد، ودون أي أمل بأي نوع أو درجة من استعادة روايتها حول مشروعية التوسع والعدوان، وحول أحقية هذا التوسع وشرعية هذه العدوانية، تحت ذرائع وحجج ومبررات كانت تتلطى خلفها، وانكشف زيف هذه الرواية، وافتُضحت فصولها، وتعرى كل مضمونها، بعد أن وضعت كل أوراقها على طاولة الإبادة والإجرام.

وبعدها حولت الحرب إلى لعبة دموية انتقامية متوحشة، دمجت من خلالها الأساطير والخرافات الأيديولوجية بالعنصرية السياسية السافرة، وحولت كل ممارسة سياسية إلى فعل وسلوك إجراميَّين فاقدين بوعي وعن سابق إصرار، ومتحرّرَين عن قصدية تامة من السلوك والأخلاق الإنسانية.

هذه ليست خسارة اتفاق، هذه خسارة حرب، وهذه ليست خسارة حرب نشبت في السنوات الأخيرة، وإنما هي خسارة تراكمت حتى وصلت إلى الحرب الأخيرة، وخسرت في ضوء ذلك كل ما كان يشكل لدولة الاحتلال من درع سياسية واقية على صعيد شعبي في العالم كله، وخسرت إلى الأبد، وإلى غير رجعة، ما يعرف بالرأي العام العالمي، وأصبحت هذه المعركة أو الحرب إن شئتم خلفه، وبدأت تخسر، في ضوء الإجرام الذي مارسته بحق شعبنا وشعوب المنطقة، وبحق كل من حاول رفع رأسه للوقوف في وجهها، ولأسباب تتعلق بكثير من اعتبارات المصالح والأزمات السياسية والاجتماعية، وباعتبارات القانون الدولي والقيم الأخلاقية، خسرت أو بدأت تخسر كل مؤسسات ومنظمات القانون الدولي، وصولاً إلى البلدان الغربية نفسها، وهي البلدان المؤسسة للدولة الصهيونية، والتي دعمت وساندت كل توسعيتها وعدوانيتها على مدار عقود كاملة، حتى إن انحصر الآن الدعم والمساندة في حدود يمينية وعنصرية في داخل هذه البلدان، ولتبقى أميركا هي حامية وراعية سياسة هذه الدولة، بما في ذلك الإبادة والإجرام والتوحش، إلى أن وصلنا اليوم إلى اقتصار مثل هذا الدعم السافر على نصف حزب، وهو الحزب الجمهوري، وإلى ربع هذا النصف، وهو الجناح الترامبي منه.

وقد نكون أمام اهتزاز جديد في الدعم المطلق وغير المشروط من قبل الترامبية نفسها.

وخسرت، أو كانت قد خسرت، دولة الاحتلال قوة ردعها وبأس جيشها في السابع من أكتوبر، أو صورة هذا الردع وصورة هذا الجيش، ثم عادت لتخسرهما معاً في حرب الحافة اللبنانية، وهي ما عُرفت بحرب الإسناد، ثم عادت لتخسر الحرب الجديدة في لبنان مرة أخرى؛ لأنها تفشل، بعد أكثر من أربعة أشهر ونصف الشهر، ومن استخدام خمس أو ست فرق عسكرية، في فرض أي وقائع عسكرية قابلة للديمومة أو الاستقرار، دون أن يكون الثمن أعلى من النتيجة أو المردود السياسي والميداني على حد سواء.

والمصيبة الإسرائيلية في هذه الحرب هي أن إيران حولت مسألة الردع والقوة والبأس للدولة الصهيونية إلى الدولة المردوعة، وإلى الدولة المذعورة من القوة والبأس الإيراني، وتحولت القوة الإسرائيلية المهيمنة ومطلقة التفوق إلى قوة مشاغبة على وقف الحرب، وليست القوة التي تمتلك قرار الحرب، وفقدت زمام المبادرة، وتحولت، كما أثبتت الوقائع، من دولة الشريك المبادر ورأس الحرب وطليعة حرب الهجوم إلى دولة الخدمات العسكرية التي يقتصر دورها على التنفيذ الميداني، في إطار الإستراتيجية العامة لهذه الحرب، والانضباط لقواعد الإيقاع السياسي الأميركي لها.

ويكمن جوهر المصيبة الإسرائيلية هنا في أن التمرد الإسرائيلي على هذا الإيقاع أصبح مكلفاً إلى حدود المقامرة، وأصبح، بكل المعايير، مغامرة تتجاوز الاعتبارات الحزبية، وتتجاوز المجتمع السياسي الإسرائيلي، ويرقى الأمر إلى مستوى التهديد القومي الشامل، بعد أن انكشفت حدود القوة الإسرائيلية.

باختصار، هذه الحرب حجمت الدور الإقليمي لدولة الاحتلال، وأعادت موضعة المكانة الإسرائيلية على الخارطة الجيوسياسية للإقليم، بما يوازي مكانة الدولة الخاصة، والحليفة المميزة، والشريكة التنفيذية الفريدة، ولكن ليست المهيمنة، وليست مطلقة اليدين، وليست لها ولا تملك حرية التصرف خارج إطار الإستراتيجية الأميركية، رغم كل الأوراق التي تملكها في الداخل الأميركي، ورغم قوة أوراق التأثير التي لديها على الإدارات الأميركية المتعاقبة، وعلى المؤسسات الأميركية التشريعية نفسها.

خسارات الحرب أكثر من ذلك، وأكبر من ذلك، في كل المجالات، وعلى مختلف الأصعدة والمستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لكن الحرب الأخيرة هي الحرب التي أعادت موضعة دولة الاحتلال على خارطة الإقليم بصورة أبعد ما تكون عن تصورات وخطط ومخططات هذه الدولة، وأهدافها من هذه الحرب.

وكما قال أحد قادة هذه الدولة مؤخراً: «كان من الأفضل لنا لو أننا لم نخض هذه الحرب طالما أن هذه هي نتائجها».

بعد تسريب بنود الاتفاق، نستطيع بكل هدوء أن نستنتج، دون أدنى شعور بالمبالغة، أن هذا الاتفاق يؤكد صحة خسارات الحرب، ودقة الاستنتاج القائم بإعادة موضعة إسرائيل على خارطة الإقليم، إذ تخلو البنود الأربعة عشر من أي إشارة، من قريب أو بعيد، إلى أي مراعاة أو إعطاء أي ميزة أو مكافأة أو حتى رشوة للائتلاف الحاكم في تل أبيب، ولا توجد أي مكاسب أميركية من هذه البنود باستثناء مكاسب الرئيس ترامب في سرعة الخروج من المأزق، وطمأنة الأسواق، وتهدئة الرأي العام الأميركي المأزوم والمقسوم والغاضب، وإعطاء الرئيس ترامب فرصة التفرغ لترميم أوضاعه المنهارة قبل الانتخابات النصفية لمجلسَي الكونغرس.

أكثر من تسعين بالمئة من البنود هي مصالح إيرانية خالصة.

الخسارة الإسرائيلية من الاتفاق شاملة وكاملة، عامة وطامة، وقد جاءت في لحظة افتراع ومفارقة لم يكن نتنياهو يتصورها مطلقاً، وهي مفارقة بين من أصبح مجبراً على إيقاف الحرب، وربما على إنهائها، وبينما هو مضطر لإبقائها مشتعلة؛ لأنه سيخسر كل شيء إن توقفت وانتهت في هذه اللحظات الفارقة. أخطأ نتنياهو الحسابات بالجملة، مع أنه أحسن تلك الحسابات بالمفرق، وتاجر الجملة في هذه الحرب كانت أميركا وترامب، وليست دولة الاحتلال ولا نتنياهو؛ لأنها ولأنه عرف متى وكيف يهرب منها.