أثار الحديث عن تأجيل الانتخابات التشريعية الفلسطينية، المقررة في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، إلى النصف الأول من سبتمبر/أيلول 2027، انتقادات سياسية واسعة، وسط تحذيرات من تداعيات الخطوة على مستقبل النظام السياسي الفلسطيني، وفرص تجديد الشرعيات، وإنهاء الانقسام المستمر منذ سنوات.
وفي تصريحات خاصة لـ«الكوفية»، حذّر الكاتب والمحلل السياسي د. إبراهيم الطهراوي من أن تأجيل الانتخابات، دون توافق وطني جاد وضمانات واضحة لإجرائها، لن يغيّر الواقع السياسي القائم، بل سيكرّس الانقسام ويحرم أجيالًا من الفلسطينيين من ممارسة حقهم في اختيار ممثليهم.
وقال الطهراوي إن المعلومات المتداولة بشأن التأجيل لم تكن قد اقترنت، حتى وقت تصريحاته، بإعلان رسمي نهائي عن صدور قرار رئاسي بهذا الشأن، مشيرًا إلى أن حسم الموقف يتطلب انتظار ما ستكشف عنه التطورات المقبلة.
وأضاف أن الاستجابة لمطالب بعض الفصائل بتأجيل الانتخابات، إن تحولت إلى قرار رسمي، قد تفضي إلى الالتفاف على إرادة الناخب الفلسطيني، محذرًا من تقديم التأجيل باعتباره استجابة لتوافق وطني، في حال لم يستند إلى حوار حقيقي يضمن إجراء الانتخابات في موعد واضح ومحدد.
وشدد الطهراوي على أن ترحيل الاستحقاق الانتخابي عامًا إضافيًا لن يعالج الأزمة السياسية ما لم يسبقه حوار وطني جاد بين حركتي فتح وحماس، يفضي إلى توافق على برنامج وطني وسياسي وآليات واضحة لإجراء الانتخابات، مع توفير ضمانات تحول دون تعطيلها مجددًا.
ولفت إلى أن آخر انتخابات تشريعية فلسطينية جرت عام 2006، فيما كان من المفترض أن تتجدد ولاية المجلس التشريعي دوريًا وفق الأطر القانونية المنظمة للعملية الانتخابية، معتبرًا أن استمرار غياب الانتخابات يفاقم أزمة الشرعية ويحدّ من فرص تجديد المؤسسات الفلسطينية.
واستعاد الطهراوي تجربة عام 2021، حين تقرر تأجيل الانتخابات العامة على خلفية عدم ضمان إجرائها في القدس الشرقية، محذرًا من تكرار السيناريو ذاته في ظل استمرار الانقسام وغياب التوافق على متطلبات العملية الانتخابية.
وأكد أن استمرار التأجيل يحرم أجيالًا من الفلسطينيين من المشاركة في الحياة السياسية واختيار ممثليهم، ويُبقي المؤسسات القائمة بعيدة عن التجديد عبر صناديق الاقتراع.
حنني: التأجيل خطوة سلبية تعمّق الأزمة السياسية
من جانبه، اعتبر الكاتب والمحلل السياسي مناضل حنني، في تصريحات خاصة لـ«الكوفية»، أن الحديث عن تأجيل الانتخابات التشريعية لمدة عام يمثل تطورًا سلبيًا، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تجديد النظام السياسي الفلسطيني وإعادة بناء شرعية مؤسساته.
وقال حنني إن التصريحات المنسوبة إلى نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ بشأن تأجيل الانتخابات تثير القلق، مشيرًا إلى أن الفلسطينيين كانوا يتطلعون إلى انتخابات حقيقية وشفافة تتيح تجديد الهيئات والمؤسسات السياسية، وتعزز الممارسة الديمقراطية.
وأوضح أن أهمية الانتخابات لا تقتصر على اختيار أعضاء جدد للمجلس التشريعي، بل تمتد إلى تجديد الشرعيات الفلسطينية المختلفة، وإعادة الاعتبار للمشاركة الشعبية في صنع القرار، في ظل استمرار الأزمة السياسية والانقسام الداخلي.
وحذّر حنني من أن تأجيل الانتخابات قد يدفع الوضع الفلسطيني إلى مزيد من التعقيد، سواء على مستوى العلاقات الداخلية والحوار الوطني المرتقب، أو على صعيد المشهد السياسي العام، معتبرًا أن استمرار غياب الاستحقاق الانتخابي يفاقم الأزمات والتوترات القائمة بدلًا من معالجتها.
وأشار إلى أن الانتخابات التشريعية لم تُجرَ منذ أكثر من عشرين عامًا، رغم الحاجة المتزايدة إلى تجديد المؤسسات عبر آليات ديمقراطية، معربًا عن أسفه لطرح التأجيل مجددًا بعد سنوات طويلة من تعطّل الحياة الانتخابية الفلسطينية.
وأضاف حنني أن هناك اهتمامًا شعبيًا بالمشاركة في الانتخابات، سواء من المستقلين أو العائلات أو الأحزاب السياسية، لافتًا إلى تسجيل تسع قوائم انتخابية رسميًا حتى وقت حديثه، مع توقعات بانضمام قوائم أخرى وأطراف سياسية ومستقلين إلى المنافسة.
ورأى أن هذا الحراك كان يعكس رغبة في خوض تجربة انتخابية جديدة تفتح المجال أمام التغيير وتجديد التمثيل السياسي، معتبرًا أن التأجيل يبدد جانبًا من هذه الآمال ويعيد المشهد إلى دائرة الجمود.
أزمة تتجاوز موعد الاقتراع
وتأتي هذه التحذيرات في وقت يتجدد فيه الجدل بشأن مستقبل الانتخابات التشريعية، عقب تقارير إعلامية تحدثت عن توجه لتعديل موعدها إلى النصف الأول من سبتمبر/أيلول 2027، على خلفية عقبات سياسية وأمنية واقتصادية مرتبطة بإجراء الاقتراع.
وبينما لا يحسم الحديث عن التوجه إلى التأجيل، في حد ذاته، صدور مرسوم رئاسي نهائي، فإن تداعياته السياسية تتجاوز مسألة تحديد موعد جديد، لتطرح تساؤلات بشأن قدرة القوى الفلسطينية على التوصل إلى توافق يضمن إجراء انتخابات شاملة ونزيهة، ويضع حدًا لاستمرار تعطيل الاستحقاقات الديمقراطية.
وفي ظل استمرار الانقسام الفلسطيني وغياب الانتخابات التشريعية منذ عام 2006، تتزايد المطالبات بوضع جدول زمني واضح لإجراء الاقتراع، وتوفير الضمانات اللازمة لمشاركة الفلسطينيين في مختلف المناطق، بما فيها قطاع غزة والقدس الشرقية.
وبين التحذيرات من تداعيات التأجيل والآمال المعقودة على تجديد المؤسسات، يبقى التحدي الأساسي أمام القوى الفلسطينية هو الانتقال من التصريحات والتفاهمات السياسية إلى خطوات عملية تضمن حق الفلسطينيين في اختيار ممثليهم، وتعيد الاعتبار للمساءلة الشعبية والتداول الديمقراطي.