نشر بتاريخ: 2026/08/11 ( آخر تحديث: 2026/08/11 الساعة: 13:39 )
رائد ناجي

خيوط الهوية وصراع الوجود

نشر بتاريخ: 2026/08/11 (آخر تحديث: 2026/08/11 الساعة: 13:39)

الكوفية تخطئ المقاربات السياسية التي تختزل الصراع العربي الإسرائيلي في مجرد نزاع جغرافي على الحدود أو التخوم؛ فالصراع في جوهره الحقيقي معركة على الذاكرة والرواية. وحين يمارس الاستعمار سلب الأرض وتجريف الجغرافيا، فإن أشد إشكالياته تعقيداً تكمن في عجزه المكتسب عن خلق تراث أصيل يربطه بالتراب الذي يغتصبه.

من هنا بالتحديد، تتحول الأثواب والمطرزات والكوفية الكنعانية من مجرد مقتنيات فولكلورية أو مظاهر احتفالية، إلى وثائق انتمائية عابرة للقرون. إن الثوب الفلسطيني المطرز ليس مجرد نسيج من الحرير أو القطن، بل هو شفرة جغرافية وتاريخية مطرزة بأيدي النساء؛ تحكي كل غرزة فيه تفاصيل قرية محيت من الخارطة، وتوثق عبر ألوانها وطبيعة عروقها مناخ البيئة الفلسطينية من الجليل شمالاً إلى بئر السبع جنوباً، بآثار تحاكي جذوراً كنعانية تتجاوز أربعة آلاف وخمسمئة عام.

القرصنة النمطية ومأزق الشغف بالمستعار

إن المتأمل في سلوكيات سلطات الاحتلال عبر عقود ممتدة يستشف ظاهرة مستمرة من الاستحواذ غير المشروع، تعرف في الأدبيات النقدية بالسطو الثقافي. لم يكتف هذا الكيان بانتزاع الأرض وتشريد أهلها، بل حاول بضراوة تعويض عقدة النقص الحضارية عبر نسبة عناصر التراث الفلسطيني لنفسه.

لقد تجلت هذه المحاولات في صور متفرقة؛ بدءاً من إقحام الثوب الفلسطيني الشهير لبيت لحم في الموسوعة العالمية عام 1993 تحت مسمى تراثي مضلل كنسخة منسوبة للاحتلال، مروراً باستغلال الكوفية في عروض أزياء عالمية، وصولاً إلى إلزام مضيفات شركة الطيران الإسرائيلية بارتداء الأثواب الفلسطينية في المحافل الدولية بادعاء أنها أزياء قومية يهودية.

هذه الممارسات ليست مجرد زلات تنظيمية أو اجتهادات تسويقية، بل هي استراتيجية تهويد بصرية تهدف إلى تجريد الشعب الأصيل من رموزه، وإضفاء مشروعية تاريخية زائفة على وجود طارئ. غير أن أزمة السارق تكمن دائماً في أن الثقافة لا تمنح بقرار، وأن التراث المقتطع من سياقه الإنساني يتنكر لسارقه، ويبدو غريباً على من يرتديه بلا ذاكرة.

صنع الوعي المقاوم: استراتيجيات المواجهة

أمام هذا التحدي الوجودي، لم يقف الشعب الفلسطيني موقف المتفرج أو الباكي على الأطلال، بل خاض معركة منظمة لتثبيت الحق التاريخي، اعتمدت أبعاداً متكاملة:

الدبلوماسية الثقافية والقانونية: استطاعت المؤسسة الفلسطينية، عبر مراسلات وتوثيقات مدعمة بالصور والوثائق التاريخية، إجبار إدارة الموسوعة العالمية عام 2007 على تصحيح الخطأ الفادح وإعادة نسبة الثوب لأصحابه الأصليين. وتكلل هذا الجهد الدبلوماسي بالنجاح التاريخي في 15 ديسمبر 2021 عندما أدرجت منظمة اليونسكو فن التطريز الفلسطيني رسمياً ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للإنسانية، مما شكل صفعة قانونية ودولية لكل محاولات الطمس.

المأسسة والذاكرة الوطنية: لم يترك التراث للمصادفة؛ إذ تضافرت الجهود الشعبية والرسمية لإعلان الـ 25 من يوليو من كل عام يوماً وطنياً للزي الفلسطيني، تحت شعارات تعزز الانتماء الفردي والجمعي مثل البس زيك.. مين زيك. تحول هذا اليوم إلى عمل حركي يعيد إنتاج الهوية في المدارس والشوارع والمؤسسات وبلاد الشتات.

الدبلوماسية الشعبية والتوارث الحي: يظل السلاح الأكثر قوة هو الاستمرار في الممارسة اليومية. إن حرص المرأة الفلسطينية في الوطن والمغترب على ارتداء الثوب المطرز في المناسبات الوطنية والاجتماعية، وتوريث مهارات التطريز من الجدات إلى الحفيدات، حول الزي من مجرد قطعة قماش إلى راية سياسية وشكل من أشكال العصيان الثقافي.

إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ... صمئت وأي الناس تصفو مشاربه؟

الجذور العصية على الاقتلاع

إن المعركة حول الزي الفلسطيني تبرهن على أن القوة العسكرية والسيطرة الميدانية تعجزان تماماً عن إلغاء التاريخ أو سحق الذاكرة الجمعية. لقد أثبتت التجربة أن الشعب الذي يحفظ ألوان ثوبه، ويصون نغمات أغانيه، ويستحضر أصوله الكنعانية، هو شعب غير قابل للاحتواء أو المحو.

سيبقى الثوب الفلسطيني شاهد إثبات على جذرية الإنسان في أرضه، وستبقى كل غرزة تطريز سيفاً ثباتياً يقطع أوهام السطو؛ وكما صاغها محمود درويش بلغة تختزل حقيقة هذا الصراع: على هذه الأرض ما يستحق الحياة. وما دام هناك من يرتدي الذاكرة، فإن الاستعمار سيظل طارئاً عابراً في تاريخ هذه الأرض.