نشر بتاريخ: 2026/10/11 ( آخر تحديث: 2026/10/11 الساعة: 20:45 )

جريمة تأجيل الانتخابات بحقّ الشعب الفلسطيني.. من يملك حقّ مصادرة إرادة شعبٍ يناضل من أجل حريته؟

نشر بتاريخ: 2026/10/11 (آخر تحديث: 2026/10/11 الساعة: 20:45)

الكوفية ليست الانتخابات ترفًا سياسيًا، وليست منّةً من حاكم على شعبه، وليست موعدًا يمكن تقديمه أو تأخيره وفقًا لمصالح القيادات وحساباتها. الانتخابات حقٌّ أصيل للشعب، ووسيلة ديمقراطية يختار من خلالها ممثليه، ويحاسب مسؤوليه، ويقرّر من يتولى إدارة شؤونه ومستقبله.

ومن هنا، فإنّ استمرار تأجيل الانتخابات الفلسطينية يطرح سؤالًا لا يجوز الهروب منه: إلى متى يبقى الشعب الفلسطيني محرومًا من حقّه في اختيار قيادته وتجديد شرعيتها عبر صناديق الاقتراع؟

لقد دفع الشعب الفلسطيني أثمانًا باهظة من دمائه وأرضه ومستقبله، وما زال يعيش تحت الاحتلال، ويواجه الحروب والتهجير والدمار والانقسام. وهو أحوج ما يكون إلى مؤسسات وطنية تستمدّ شرعيتها من إرادته، وإلى قيادة موحّدة تستطيع أن تعبّر عن تطلعاته وتدافع عن حقوقه.

لكنّ المؤلم أنّ الانتخابات العامة لم تُجرَ منذ عامَي 2005 و2006، فيما أُجّلت الانتخابات التي كان يُفترض أن تفتح بابًا للتجديد الديمقراطي عام 2021، ثم أُعلن في 10 تشرين الأول 2026 عن تأجيل الانتخابات التشريعية المقررة في تشرين الثاني إلى أيلول 2027، بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية.

وهنا لا بدّ من التمييز بين مسؤولية الاحتلال الإسرائيلي عن القيود والعقبات التي تعترض العملية الانتخابية، وبين مسؤولية القيادة الفلسطينية عن إيجاد السبل السياسية والقانونية لمواجهة هذه العقبات، وعدم ترك حقّ الشعب معلّقًا إلى أجل غير معلوم.

أولًا: الاحتلال عائق، لكن أين المشروع الوطني لمواجهته؟

لا أحد يستطيع تجاهل ما يفرضه الاحتلال من قيود، ولا سيّما في القدس الشرقية، ولا الصعوبات الأمنية والإنسانية التي تواجه الفلسطينيين، خصوصًا في قطاع غزة.

لكن إذا كان الاحتلال يحاول منع الفلسطينيين من ممارسة حقوقهم، أليس من واجب القيادة الفلسطينية أن تحشد كلّ طاقاتها السياسية والدبلوماسية والقانونية لمواجهة ذلك، وأن تضع أمام الشعب خطة واضحة ومواعيد محدّدة، بدلًا من أن يبقى الاستحقاق الانتخابي مؤجّلًا؟

إنّ تحويل العقبات إلى حالة انتظار مفتوحة لا يحلّ الأزمة، بل يترك المؤسسات أمام أزمة متواصلة في الشرعية والمساءلة والتمثيل الشعبي.

ثانيًا: الشرعية لا تُقاس بعدد سنوات البقاء في السلطة

إنّ الشرعية الديمقراطية لا تُستمدّ من البقاء الطويل في المناصب، ولا من القرارات والمراسيم وحدها، بل تتجدّد من خلال احترام القانون وإرادة المواطنين.

فالرئيس الذي انتُخب عام 2005، والمجلس التشريعي الذي انتُخب عام 2006، لا يمكن أن يكون غياب الانتخابات بشأنهما مسألة ثانوية في الحياة السياسية الفلسطينية.

إنّ الشعب الفلسطيني ليس قاصرًا عن الاختيار، وليس عاجزًا عن تحديد من يمثّله. ومن حقّه أن يقيّم أداء قياداته، وأن يختار من يثق بهم، وأن يمنح فرصة جديدة لمن يثبت قدرته على تحمّل المسؤولية.

والأهم أنّ الانتخابات ليست ضمانة لفوز فريق بعينه؛ بل هي آلية تمنح جميع القوى فرصة التنافس وفق قواعد واضحة، وتمنح الشعب الكلمة الفصل.

ثالثًا: من يخشى صندوق الاقتراع؟

هذا سؤال سياسي مشروع، لكنّ الإجابة عنه يجب أن تقوم على الأدلة، لا على التخمين أو الاتهامات غير المثبتة.

إنّ تكرار التأجيل يفتح الباب أمام الشكوك، ويضعف ثقة المواطنين بالمؤسسات، ويغذّي الاعتقاد بأنّ الحسابات الفصائلية قد تتقدّم على المصلحة الوطنية.

ولذلك، فإنّ المطلوب من القيادة الفلسطينية ليس الاكتفاء بإعلان المبررات، بل تقديم إجابات واضحة: ما الخطوات العملية لتجاوز العقبات؟ ما الضمانات التي تمنع تكرار التأجيل؟ وما الجدول الزمني الملزم الذي يتيح للفلسطينيين ممارسة حقّهم؟

إنّ الشفافية في الإجابة عن هذه الأسئلة هي جزء من المسؤولية السياسية، وليست تنازلًا أمام الخصوم.

رابعًا: الوحدة الوطنية تبدأ باحترام إرادة الشعب

لا يمكن بناء وحدة وطنية حقيقية عبر الاتفاقات المغلقة وحدها، ولا عبر تقاسم النفوذ والمناصب بين الفصائل. الوحدة تبدأ حين تتفق القوى الفلسطينية على الاحتكام إلى الشعب، وقبول نتائج الانتخابات، واحترام التعددية السياسية، وتداول المسؤولية وفق القانون.

فالشعب الفلسطيني أكبر من أي فصيل، والقضية الفلسطينية أوسع من أي قيادة، والمصلحة الوطنية يجب أن تكون فوق المصالح الشخصية والتنظيمية.

ومن هنا، فإنّ إجراء انتخابات حرة ونزيهة وشاملة، بمشاركة الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، يشكّل خطوة أساسية نحو استعادة الثقة بالمؤسسات وتجديد الحياة السياسية، شرط توافر الضمانات اللازمة لحماية حرية الاقتراع واحترام النتائج.

أخيرًا: من حقّ الشعب أن يحاسب

إنّ وصف تأجيل الانتخابات بأنّه جريمة بحقّ الشعب الفلسطيني هو موقف سياسي وأخلاقي ينبع من خطورة استمرار حرمان المواطنين من ممارسة حقّهم الديمقراطي، ومن الأضرار التي يلحقها ذلك بالثقة بالمؤسسات وبإمكان تجديد الشرعية الشعبية.

فلا يجوز أن يبقى الشعب أسير الانقسام، ولا أن تتحوّل الظروف الاستثنائية إلى مبرّر دائم لتعليق حقوقه السياسية.

نحن لا نطالب بانتخابات شكلية، ولا بانتخابات تُفرض نتائجها مسبقًا، بل بانتخابات حقيقية، حرة ونزيهة، يختار فيها الفلسطينيون ممثليهم من دون إكراه أو إقصاء، وتُحترم نتائجها من الجميع.

فلسطين ليست ملكًا لفصيل، والسلطة ليست إرثًا عائليًا أو امتيازًا دائمًا، والشعب الفلسطيني ليس مجرّد جمهور يُستدعى عند الحاجة ثم تُعلّق حقوقه عندما يحين موعد الاختيار.

إنّ الطريق إلى استعادة الثقة يبدأ بإرادة سياسية واضحة، وخطة معلنة، وضمانات جدّية، وموعد انتخابي لا يبقى رهينة التأجيل المتكرر.

فمن حقّ الفلسطيني أن يختار، ومن حقّه أن يحاسب، ومن حقّه أن يرى قيادته تستمدّ شرعيتها من صوته.

إنّ إرادة الشعوب لا تُصادَر إلى الأبد، وصندوق الاقتراع ليس خطرًا على القضية الفلسطينية؛ بل إنّ حرمان الشعب من حقّه في الاختيار هو ما يهدّد الثقة بمؤسساتها ومستقبلها الديمقراطي