«إنجازات» مدهشة..!
أكرم عطا الله
«إنجازات» مدهشة..!
قبل أن يتم توقيع الاتفاق إلكترونياً من خلال رئيسي ايران والولايات المتحدة مسعود بزشكيان ودونالد ترامب كان الرئيس الأميركي يعقد مؤتمره الصحافي في ايفيان شرق فرنسا خلال قمة الدول السبع، وكعادته في المطولات يقول كل الأشياء كأنه يتحدث لأول مرة، وفي كل مرة لا يتواضع في مديح نفسه وإنجازاته الهائلة ويعيد تكرارها كدرس الحساب لمن لا يفهمون ... هذه المرة كان أبرز إنجازاته وقف الحرب ..هذا مهم ومدهش أن يوقف حرباً أشعلها ويعلن للعالم أنه لن يكون لدى ايران سلاح نووي. يا لهذا الرجل الرائع، فإيران لديها فتوى بذلك، أما الإنجاز التاريخي فهو يزف للعالم بشرى فتح مضيق هرمز الذي كان مفتوحاً قبل الحرب ... هكذا تدار السياسة. أرأيتم مأساة البشرية حين يدير أقوى قوة في العالم رجل بهذه الخفة؟.
إنها حالة الخداع السياسي الطفولي الذي يمارسه ترامب ـ ويظن البشرية مجموعة من الذين يسهل خداعهم.
لكن هذه المرة، كل البشرية تضررت من قراره ومن حربه غير المحسوبة، ومثله مثل حركة حماس التي فتحت حرباً غير محسوبة وستعتبر أن الإنجاز الأكبر هو بانسحاب إسرائيل من أراضي قطاع غزة التي لم تكن متواجدة فيها ...!.
هكذا يحدث لمن يديرون صراعاتهم بخفة، فالحياة أكثر تعقيداً من إدارتها بالتمنيات. ولم تخرج الولايات المتحدة من هذه الحرب أكثر قوة بل ساهمت في ترسيخ ايران كقوة إقليمية ودفعت بحليفها الإستراتيجي «تل أبيب» نحو الهامش حين أبعدته عن المشاورات والمفاوضات وأخذت تصدر أوامر من بعيد شكلت مساساً بأمنه القومي وقوته الردعية لنرى كل هذا الغضب في إسرائيل والشعور بالمهانة.
كل محاولات الرئيس الأميركي تغطية الشمس بغربال الديماغوجيا لا تجدي مع مجتمعات دفعت ثمن القرار الذي وقف خلفه بنيامين نتنياهو حصراً، حين داعب خطته خيال الرئيس الطامح لنصر فنزويلي خاطف كما زُيّنَ له. وفي النهاية، التاريخ لا يعبث دوماً فهو أكثر مكراً من نتنياهو الذي يتلقى الصفعات والركلات من الرئيس الأميركي ومن الداخل الإسرائيلي فهو المحرض الأكبر على هذه الحرب التي أضرت بالبشرية. وهنا السؤال الذي يطرحه الفلسطينيون دوماً: هل ما حدث يكفي كدليل يقدم على أن إسرائيل هي سبب لكل تلك الصراعات في الشرق الأوسط؟.
لم تبقَ دولة لم تعاركها إسرائيل في المنطقة، فقد حاربت مصر والأردن وسورية ولبنان واليمن وإيران، أما فلسطين فهي القصة التي لا تنتهي، فحين تتعب الحكومة والجيش، يقوم المستوطنون بتعبئة الفراغ، وأوروبا التي تراقب كل شيء تقوم على استحياء بفرض عقوبات على بعضهم كأنها لا تعرف ما الذي تقوم به حكومة أو حكومات إسرائيل المتعاقبة من جهود لإبادة الأرض الفلسطينية وإسدال الستار على أي حلول كانت أوروبا قد وفرت لها ما يكفي من الرعاية والجهد والمال أيضاً، لكنها افتقرت للجرأة في العقاب حتى بعد إبادة البشر في غزة كأن العالم يدار بعقلية ترامبية تستخف بكل شيء.
لقد ضبطت إسرائيل متلبسة بالجرم المشهود بالتحريض على الشر وافتعال الأزمات الدولية، وبالعادة حسب القوانين من يضبط متلبساً بالتحريض على القتل أو الإضرار بالبشر يتم عقابه وسجنه وحجره لمنع تأثيره لمعاقبته وللحد من تأثيره. فلماذا لم يحدث هذا مع إسرائيل؟ وكيف يمكن أن تظل متروكة بعد ثبوت خطرها بالأدلة القطعية. فترامب أصبح يوبخ نتنياهو في كل مكالمة وكل خطاب بعد الاكتشاف المتأخر وهو أكثر شجاعة من أوروبا التي تتحسس على مهل وهي ترى الجرائم اليومية ترتكبها الحكومة والجيش والمستوطنون كمؤسسات تتكامل للوصول للنتيجة نفسها، وهي تطهير المكان من الفلسطينيين أصحاب الأرض. هذا ليس استنتاجاً بل حقيقة يعلنها أعضاء في الحكومة الإسرائيلية.
آن الأوان لوضع إسرائيل تحت المجهر وإجراء جرد للتاريخ وللصراعات في المنطقة، وكم خسر العالم نتاج صراعاتها ونتاج إصرارها على أن تبقى محتلة لشعب آخر، وكم دفع العالم نتاج أحلامها التوسعية التي بالقطع لا تستوي مع حجمها وإمكانياتها كدولة تابعة كما اتضح خلال الأسابيع الماضية .. دوماً ما وصف العقل السياسي الإسرائيلي بالمختل، ولكن أن يترك هذا العقل يفكر وحده أو يلعب دورا في التحريض فهذا يشكل خطراً على البشرية، والعالم مدعو للتوقف أمام الظاهرة الإسرائيلية ووقف كل تلك الصراعات في المنطقة والعالم التي تتسبب بها، وعنوانها الأول الاحتلال، وإصرار الاحتلال على أن يظل احتلالا.