خاص|| الحوار الوطني الفلسطيني.. عشرات اللقاءات والنتيجة صفر
خاص|| الحوار الوطني الفلسطيني.. عشرات اللقاءات والنتيجة صفر
غزة: تعود الفصائل الفلسطينية إلى طاولة الحوار في القاهرة مرة جديدة، وسط أزمة سياسية ووطنية تتفاقم، وأسئلة تتجدد حول جدوى اللقاءات المتكررة التي لم تنجح، على مدار سنوات، في إنهاء الانقسام أو بناء نظام سياسي فلسطيني موحد يستند إلى الشراكة والديمقراطية والاحتكام إلى إرادة الشعب.
وفي أحدث جولات الحوار، التي تجمع ممثلين عن حركات فتح وحماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، تتصدر ملفات إنهاء الانقسام، وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، وضم حماس والجهاد الإسلامي إليها، إلى جانب مستقبل الانتخابات الفلسطينية، جدول المشاورات. غير أن تكرار هذه العناوين يطرح تساؤلًا جوهريًا: لماذا تتجدد اللقاءات فيما تبقى القضايا الأساسية معلقة؟
حوار يتكرر.. والأزمة تراوح مكانها
لم يعد الحوار الوطني الفلسطيني يواجه أزمة في عقد الاجتماعات أو إصدار البيانات التي تؤكد أهمية الوحدة، بل في تحويل التفاهمات السياسية إلى قرارات قابلة للتنفيذ. فالاتفاق على ضرورة إنهاء الانقسام لم يتحول إلى واقع سياسي، والدعوات إلى إصلاح المؤسسات لم تُنهِ أزمة التمثيل والشرعية، فيما بقيت الانتخابات رهينة الخلافات السياسية والحسابات الفصائلية.
وتشير تقارير إعلامية نُشرت في 11 أكتوبر/تشرين الأول الجاري إلى أن جولة سابقة من المحادثات في القاهرة، استمرت نحو ثلاثة أسابيع، لم تحقق تقدمًا ملموسًا في الملفات الأساسية المتعلقة بإنهاء الانقسام وإعادة ترتيب النظام السياسي، رغم التوافق على مواصلة الحوار الشامل. وهو ما يعيد إلى الواجهة الفجوة بين إعلان النوايا والقدرة على تنفيذها.
وبين جولة وأخرى، تتكرر المفردات ذاتها: المصالحة، والوحدة الوطنية، والشراكة، وإعادة بناء المؤسسات. لكن المواطن الفلسطيني لا يزال ينتظر نتائج ملموسة تنعكس على حياته السياسية والوطنية، وتعيد الاعتبار لصوته في تحديد مستقبل القيادة والنظام السياسي.
الانتخابات.. استحقاق مؤجل وأزمة شرعية متجددة
يأتي الحوار الحالي في ظل تطورات متصلة بالانتخابات الفلسطينية، بعدما صدر مرسوم رئاسي في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2026 بتحديد 11 سبتمبر/أيلول 2027 موعدًا لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بالتزامن، بدلًا من الموعد السابق للانتخابات التشريعية في نوفمبر/تشرين الثاني 2026.
وقد أعاد هذا التطور الجدل بشأن أسباب التأجيل، ومدى التوافق الوطني حوله، والضمانات المطلوبة لمنع تكرار تعطيل الاستحقاقات الديمقراطية. كما كشف استمرار التباينات بين القوى الفلسطينية بشأن كيفية معالجة العقبات التي تواجه الانتخابات، وشروط إجرائها في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة.
وتبرز هنا مفارقة سياسية تستحق النقاش: كيف يمكن أن يصبح الحوار مدخلًا لاستعادة الشرعية، بينما يظل موعد الاحتكام إلى صناديق الاقتراع قابلًا للتغيير، وتبقى آليات تجديد المؤسسات موضع خلاف بين القوى المشاركة فيه؟
إن استعادة الثقة بالعملية السياسية تتطلب أكثر من إعلان مواعيد جديدة؛ فهي تحتاج إلى ضمانات واضحة، وتوافق على قواعد المنافسة، والتزام باحترام نتائج الانتخابات، وتوفير الظروف التي تتيح للفلسطينيين اختيار ممثليهم بحرية.
من يمثل الشعب؟ سؤال يتجاوز حدود الفصائل
لا تتوقف أزمة الحوار عند الخلاف على الانتخابات أو شكل الحكومة، بل تمتد إلى طبيعة النظام السياسي الفلسطيني نفسه، ومدى قدرته على استيعاب مختلف القوى والشرائح الاجتماعية، وتجديد مؤسساته على أسس ديمقراطية وتشاركية.
ويظل ملف إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية وتطوير مؤسساتها، بما يضمن تمثيلًا وطنيًا أوسع، أحد أبرز الملفات المطروحة على طاولة الحوار. لكن تحقيق هذا الهدف يتطلب اتفاقًا على قواعد الشراكة وصناعة القرار، لا مجرد تفاهمات عامة بشأن توسيع المشاركة.
كما أن استمرار حصر النقاش في التوازنات الفصائلية يثير تساؤلات حول موقع المستقلين والكفاءات والشباب والاتحادات المهنية ومؤسسات المجتمع المدني في أي مشروع وطني مقبل. فالوحدة الوطنية لا تعني فقط التوصل إلى تفاهم بين قيادات الفصائل، بل بناء نظام سياسي يتيح للمجتمع المشاركة في صياغة القرار ومحاسبة المسؤولين عنه.
تيار الإصلاح الديمقراطي: الحاجة إلى شراكة وطنية حقيقية
في ظل هذه التطورات، تبرز أهمية النقاش حول توسيع قاعدة المشاركة السياسية، وإتاحة المجال أمام مختلف التيارات والكفاءات الوطنية للمساهمة في صياغة مستقبل النظام السياسي الفلسطيني، بعيدًا عن احتكار القرار أو اختزال الحياة السياسية في تفاهمات مغلقة بين القيادات التقليدية.
ومن هذا المنطلق، فإن أي مسار جاد لإنهاء الانقسام يحتاج إلى معالجة الأسباب التي أبقت الأزمة قائمة، ووضع قواعد واضحة للشراكة والمساءلة، وربط الحوار بجدول زمني للتنفيذ، مع ضمان حق الشعب الفلسطيني في اختيار ممثليه وتجديد مؤسساته عبر انتخابات حرة ونزيهة.
ولا يمكن اختزال نجاح الحوار في عدد الفصائل المشاركة أو عدد الاجتماعات المنعقدة؛ فالمعيار الحقيقي هو ما إذا كانت هذه اللقاءات ستفضي إلى تغيير ملموس في آليات إدارة الشأن الوطني، وإعادة بناء المؤسسات، وتوحيد القرار الفلسطيني.
المطلوب ليس جولة جديدة.. بل مسار ملزم
إن استمرار الحوار الوطني ضرورة لا خلاف عليها، لكن تحويله إلى غاية بحد ذاته قد يفرغه من مضمونه. فالقيمة الحقيقية لأي لقاء سياسي تكمن في قدرته على إنتاج حلول قابلة للتطبيق، وتحديد المسؤوليات، ووضع مواعيد واضحة للتنفيذ، وإخضاع الالتزامات للمساءلة.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى الانتقال من لغة التوافقات العامة إلى برنامج وطني محدد، يتضمن خطوات عملية لإنهاء الانقسام، وإصلاح منظمة التحرير، وتوحيد المؤسسات، وضمان إجراء الانتخابات، وإشراك مختلف مكونات المجتمع الفلسطيني في صناعة القرار.
فبعد سنوات من اللقاءات والاتفاقات والبيانات، لم يعد السؤال كم مرة اجتمعت الفصائل، بل ماذا تغيّر على الأرض؟ وما الذي يمنع تنفيذ ما جرى التوافق عليه؟ ومن يتحمل المسؤولية السياسية عن استمرار الأزمة؟
الحوار الوطني الفلسطيني لا يحتاج إلى مزيد من الصور الجماعية والبيانات المتكررة بقدر ما يحتاج إلى إرادة سياسية تترجم الأقوال إلى أفعال.
فالوحدة لا تُقاس بعدد الاجتماعات، والشرعية لا تُستعاد بتأجيل الاستحقاقات، والمصالحة لا تتحقق بمجرد الجلوس إلى الطاولة؛ بل تبدأ حين تصبح مصلحة الشعب الفلسطيني وحقه في اختيار قيادته وتجديد مؤسساته فوق حسابات الفصائل ومصالحها.